الشيخ محمد علي طه الدرة

48

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

تعالى بأنه لا يؤثر فيها التذكير ، والإنذار ، وقيل : زادهم كفرا بزيادة التكاليف الشّرعية ؛ لأنهم كانوا كلما ازدادت التكاليف بنزول الوحي ؛ يزدادون كفرا . انتهى نقلا من أبي السعود . هذا وزاد ، يزيد : ضد نقص ، ينقص ، يكون لازما ، كقولك : زاد المال درهما ، ويكون متعديا لمفعولين ، كما في الآية الكريمة ، وقولك : زاد اللّه خالدا خيرا ؛ بمعنى : جزاه اللّه خيرا ، وأما قولك : زاد المال درهما ، والبر مدّا ، فدرهما ، ومدّا تمييز ، ومثله قل في : نقص ، فمن المتعدّي قوله تعالى : ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً الآية رقم [ 4 ] من سورة ( التوبة ) ، ومن اللازم قوله تعالى في سورة ق رقم [ 4 ] : قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ . وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ : أي : موجع ، مثل السّميع ، بمعنى : المسمع ، وآلم : إذا أوجع . والإيلام : الإيجاع ، والألم : الوجع ، والتألّم : التوجّع . هذا وقال المرحوم سليمان الجمل : مؤلم بفتح اللام على طريق الإسناد المجازي ، حيث أسند الألم للعذاب ، وهو في الحقيقة إنما يسند إلى الشخص المعذّب ، يقال : ألم ، من باب : طرب ، فهو أليم : كوجع ، فهو وجيع ، أي : متألّم ومتوجّع ، ولا يقال : إنّه بكسر اللام اسم فاعل على طريق الإسناد الحقيقي ، كسميع بمعنى : مسمع لخلوّه من دعوى المبالغة الحاصلة على كونه بفتح اللام ؛ حيث يقتضي : أن العذاب لشدّة إيلامه للمعذبين ، صار هو كأنه مؤلم ، أي : معذب ، فهو على حد : جدّ جدّه . انتهى . هذا ؛ وعذاب : اسم مصدر لا مصدر ؛ لأن المصدر : تعذيب ؛ لأنه من : عذّب ، يعذّب بتشديد الذال فيهما ، وقيل : هو مصدر على حذف الزوائد ، ومثله عطاء ، وسلام ، وثبات ؛ لأعطى ، وسلم ، وأثبت ، هذا والعذاب كل ما شقّ على الإنسان ، ومنعه عن مراده ، وهو كالنّكال وزنا ومعنى . تنبيه : وحكمة كفّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم ما ثبت في الصحيحين : أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لعمر - رضي اللّه عنه - : « أكره أن يتحدّث العرب : أنّ محمدا يقتل أصحابه » . وفي رواية ثانية : « معاذ اللّه أن يتحدث الناس أنّي أقتل أصحابي ! » . والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يقتلهم لمصلحة ، وهي تأليف القلوب عليه لئلا تنفر منه ، علما بأن أقرباء بعض المنافقين جاؤوا للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يستأذنونه بقتل ذويهم ، الذين ظهر منهم إيذاء له صلّى اللّه عليه وسلّم ، وذلك مثل عبد اللّه - رضي اللّه عنه - ابن عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول ، الذي جاءه يستأذنه في قتل أبيه حينما تكلّم كلاما مسيئا للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد كان صلّى اللّه عليه وسلّم يعطي المال من أسلم حديثا تألّفا لهم مع علمه بضعف إيمانهم ، ولكن جاء التّهديد ، والوعيد من اللّه لهم على العموم ، مثل قوله تعالى في سورة ( الأحزاب ) رقم [ 60 ] : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا قال قتادة : معناه : إذا هم أعلنوا النفاق . هذا وزيادة النفاق في قلوبهم كانت تحصل من نزول القرآن آية بعد آية ، فكانوا كلّما كفروا بآياته ؛ ازدادوا كفرا ، ونفاقا ، والمؤمنون بعكس ذلك ، كانوا كلما تليت عليهم آيات القرآن ؛ ازدادوا إيمانا ، ويقينا . انظر الآية رقم [ 2 ] من سورة ( الأنفال ) .