الشيخ محمد علي طه الدرة

479

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

و الْخِصامِ : مصدر : خاصم ، يخاصم ، وقال الخليل ، رحمه اللّه تعالى ، وقال الزجاج : هو جمع : خصم ، كصعب ، وصعاب ، وضخم ، وضخام . وعن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « كفى بك إثما أن لا تزال مخاصما » . رواه الترمذي ، رحمه اللّه تعالى . وعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه ؛ إلّا أوتوا الجدل ، ثمّ قرأ : ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ » . رواه الترمذي ، وابن ماجة . تنبيه : نزلت الآية الكريمة ، والتي بعدها في الأخنس بن شريق الثقفي ، واسمه أبيّ ، والأخنس لقب لقّب به ؛ لأنه خنس يوم بدر بثلاثمئة رجل من حلفائه من بني زهرة عن قتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، كما ستعرفه في سورة ( آل عمران ) كان منافقا حسن المنظر ، حلو الكلام للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فجاء بعد ذلك ، فأظهر الإسلام ، وقال : اللّه يعلم أنه صادق ، ويحلف باللّه : أنه مؤمن برسالته ، ومحبّ له ، وكان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يقرّبه ، ويدني مجلسه ، ولكن اللّه تعالى قد كذّبه في دعواه ، فقد مرّ بزرع ، وحمر لبعض المسلمين ، فأحرقه ، وأحرقها ، كما بينت الآية التالية . وهذا وأمثاله من المنافقين ، والكذابين يطلق عليهم في عرف الشّرع الإسلامي : أصحاب الوجهين ، واللّسانين ، وما أكثرهم في هذا الزمن ! وخذ ما يلي : عن سعد بن أبي وقاص - رضي اللّه عنه - قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « ذو الوجهين في الدّنيا ، يأتي يوم القيامة ؛ وله وجهان من نار » . رواه الطبرانيّ في الأوسط . وعن عمار بن ياسر - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من كان له وجهان في الدّنيا ؛ كان له يوم القيامة لسانان من نار » . رواه أبو داود ، وابن حبان . وعن أنس - رضي اللّه عنه - : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من كان ذا لسانين ؛ جعل اللّه له يوم القيامة لسانين من نار » . رواه الطبرانيّ ، وغيره . ورحم اللّه صالح بن عبد القدّوس ؛ إذ يقول : [ الكامل ] لا خير في ودّ امرئ متقلّب * حلو اللّسان وقلبه يتلهّب يلقاك يحلف أنّه بك واثق * وإذا توارى عنك فهو العقرب يعطيك من طرف اللّسان حلاوة * ويروغ منك كما يروغ الثّعلب الإعراب : وَمِنَ النَّاسِ : الواو : حرف عطف ، أو حرف استئناف ، ( مِنَ النَّاسِ ) : جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم . مِنَ : اسم موصول ، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر . هذا هو الإعراب المتعارف عليه وهو الظاهر ، ولا أعتمده ، وإنما أعتمد ما ذكرته في الآية رقم [ 8 ] . يُعْجِبُكَ : فعل مضارع ، والكاف مفعول به . قَوْلُهُ : فاعله ، والهاء في محل جر بالإضافة ، والجملة الفعلية صلة : مِنَ ، أو صفتها ، والعائد ، أو الرابط الضمير المجرور محلّا بالإضافة ، والجملة الاسمية : وَمِنَ النَّاسِ . . . إلخ معطوفة على ما قبلها ، أو مستأنفة ، لا محل لها على الاعتبارين . فِي الْحَياةِ متعلقان بالفعل قبلهما ، وقيل : متعلقان ب :