الشيخ محمد علي طه الدرة
462
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
« ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلّا أوتوا الجدل » ثم قرأ : ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا . رواه الترمذي ، وابن ماجة عن أبي هريرة ، رضي اللّه عنه . وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ أي : لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ، وهو الذي يجازيكم عليها . حثّ اللّه على فعل الخير عقيب النهي عن الشرّ ، وهو أن يستعملوا مكان الرّفث الكلام الحسن ، ومكان الفسوق البرّ ، والتقوى ، ومكان الجدال الوفاق ، والأخلاق الجميلة . هذا ؛ وذكر سبحانه الخير ، وإن كان عالما بجميع أفعال العباد لفائدة ، وهي : أنّه تعالى إذا علم من عبده المؤمن الخير ؛ ذكره في الملأ الأعلى ، وأشهره ، وإذا علم منه الشر ؛ أسرّه ، وأخفاه : فإذا كان هذا فعله مع عبده المؤمن في الدنيا ؛ فكيف يكون في العقبى ، وإذا كان الأمر كذلك ؛ فلماذا لا يخجل العبد من ربّه حين ارتكابه المعصية ؛ وهو يوقن : أنّه يراه ، ويعلم ما يفعل . هذا ؛ والإحرام بالحج ، والعمرة على ثلاثة أنواع : إفراد ، وتمتّع ، وقران . فصورة الإفراد : أن يحج ، ثم بعد فراغه منه يعتمر من أدنى الحلّ . وصورة التّمتّع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحجّ ، ويأتي بأعمالها ، فإذا فرغ منها أحرم بالحج من مكّة في تلك السّنة . وصورة القران : أن يحرم بالعمرة ، والحج في أشهر الحجّ ، فينويهما بقلبه ، وكذلك : لو أحرم بالعمرة في أشهر الحج ، ثم أدخل عليها الحجّ قبل أن يفتتح الطواف ، فيصير قارنا . واختلفوا في الأفضل : فذهب مالك ، والشّافعي إلى أن الإفراد أفضل ، ثم التمتّع ، ثم القران . وذهب الثوريّ ، وأبو حنيفة إلى أن القران أفضل . وذهب الإمام أحمد ، وإسحاق بن راهويه إلى أن التمتّع أفضل ، ولكلّ دليله ، علما بأن المفرد بالحج لا يلزمه شيء ، وأما القارن ، والمتمتع ؛ فيلزمهما دم ، أو صيام ، كما قدّمته فيما سبق . وَتَزَوَّدُوا : أمر اللّه باتخاذ الزاد في سفر الحج . نزلت في أناس من أهل اليمن ، كانوا يخرجون للحجّ من غير زاد ، ويقولون : نحن متوكّلون ، ويقولون : نحج بيت ربنا . أفلا يطعمنا ؟ فإذا قدموا مكة ؛ سألوا الناس ، وربما أفضى بهم الحال إلى الغصب ، والنهب ، والسّرقة . قال رجل للإمام أحمد - رحمه اللّه تعالى - : أريد أن أخرج إلى مكة على التوكّل بلا زاد . فقال له : اخرج في غير القافلة . فقال : لا ، إلا معهم ، قال رحمه اللّه : فعلى جرب النّاس توكّلت ! . فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى أي : تزودوا ما تتبلّغون به . وتكفّون به وجوهكم عن الناس ، واتّقوا إبرامهم ، والتثقيل عليهم ، وكذلك ما تتقون به من الهلكة ، والضياع . وقيل : المعنى تزوّدوا من العبادة ، والطّاعة ، فإن الإنسان لا بدّ له من سفر في الدنيا ، ولا بدّ له من زاد ، ويحتاج فيه إلى الطّعام ، والشراب . . . إلخ ، ولا بدّ له من سفر في الدّنيا إلى الآخرة ، ولا بدّ له من زاد ، وهو تقوى اللّه ، والعمل بطاعته ، وهذا أفضل من الزاد الأول ، فإن زاد الدنيا يوصل إلى مراد الدنيا ، وشهواتها ، وزاد الآخرة يوصل إلى النعيم المقيم ، وفي هذا المعنى يقول الأعشى من قصيدته التي أعدّها لمدح الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : [ الطويل ]