الشيخ محمد علي طه الدرة

446

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

وأرضاه : أنّ أول آية نزلت في القتال قوله تعالى في سورة ( الحج ) رقم [ 39 ] : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا والأوّل أكثر ، وأنّ آية الإذن إنما نزلت في القتال غاية لمن قاتل ، ولمن لم يقاتل من المشركين ، وأن هذه الآية نزلت لمّا تجهز المسلمون لعمرة القضاء ، وخافوا أن لا تفي قريش بما وعدت من الشّروط ، والعهود ؛ الّتي عقدت في غزوة الحديبية ، ويقاتلون المسلمين ، وقد كره المسلمون قتالهم في الحرم ، والشّهر الحرام ، فنزلت الآية الكريمة تبيح قتال المشركين ؛ إن هم قاتلوهم ، انظر غزوة الحديبية وما حصل فيها من شروط ، وعهود بين المسلمين ، وبين المشركين - فإنّه جيد ، والحمد للّه - وذلك في سورة ( الفتح ) . وفي الآية الكريمة إباحة القتال لمن يقاتل من المشركين دون من ليس من أهل المناصبة ، والمقاتلة من الشيوخ ، والصبيان ، والرّهبان ، والنّساء ، والزّمنى ، والأجراء ، إلا أن يكون لأحد منهم إذاية للمسلمين ، بقول ، أو فعل ، وهذا معنى قوله تعالى : وَلا تَعْتَدُوا أي : لا تتجاوزوا ما شرعه اللّه ، وأباحه لكم . تنبيه : لا يذكر في القرآن الكريم لفظ القتال ، أو الجهاد ؛ إلا ويقرن بكلمة : فِي سَبِيلِ اللَّهِ وفي ذلك دلالة واضحة على أنّ الغاية من القتال ، والجهاد غاية شريفة نبيلة ، هي إعلاء كلمة اللّه ، لا السيطرة ، أو المغنم ، أو الاستعلاء في الأرض ، أو غير ذلك من الغايات الدنيئة . إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ أي : المتجاوزين ما شرعه اللّه لهم . هذا ؛ وعدم محبّة اللّه لهم كناية عن البغض ، والسّخط ، والغضب ، والطرد من رحمته ، ورضوانه ، ومحبته للعبد : رضاه عنه ، وغفر ذنوبه ، وستر عيوبه . الإعراب : وَقاتِلُوا : الواو : حرف استئناف . ( قاتِلُوا ) : فعل أمر ، وفاعله ، والألف للتفريق ، فِي سَبِيلِ : متعلقان بالفعل قبلهما ، و سَبِيلِ مضاف ، و اللَّهِ : مضاف إليه . الَّذِينَ : اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به . يُقاتِلُونَكُمْ : مضارع مرفوع ، وفاعله ، ومفعوله ، والجملة الفعلية صلة الموصول ، لا محلّ لها ، وجملة : وَقاتِلُوا . . . إلخ مستأنفة لا محل لها ، وَلا : الواو : حرف عطف . ( لا ) : ناهية جازمة . تَعْتَدُوا : فعل مضارع مجزوم ب ( لا ) الناهية ، وعلامة جزمه حذف النون ، والواو فاعله ، والألف للتفريق ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها ، لا محل لها مثلها . إِنَّ : حرف مشبه بالفعل . اللَّهِ : اسمها . لا : نافية . يُحِبُّ : فعل مضارع ، والفاعل يعود إلى : اللَّهِ . الْمُعْتَدِينَ : مفعول به منصوب ، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة ؛ لأنه جمع مذكر سالم ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر : إِنَّ والجملة الاسمية : إِنَّ اللَّهَ . . . إلخ مفيدة للتعليل ، لا محلّ لها .