الشيخ محمد علي طه الدرة

447

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 191 ] وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ( 191 ) الشرح : وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أي : حيث وجدتموهم ، فهو مثل قوله تعالى في سورة ( التوبة ) رقم [ 5 ] : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ بل هذه أعمّ ، والأولى أخصّ ، لذا قيل : هذه ناسخة لتلك . هذا ؛ والثقف في الأصل : الحذق في إدراك الشيء ، علما كان ، أو عملا ، فهو يتضمن معنى الغلبة ، يقال : ثقف ، يثقف ، ثقفا . ويقال : رجل ثقف لقف ، أي : خفيف حاذق : إذا كان محكما لما يتناول من الأمور ، قال الشاعر : [ الوافر ] فإمّا تثقفوني فاقتلوني * فمن أثقف فليس إلى خلود وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ أي : أخرجوكم من مكّة كما فعلوا بكم ، وقد تمّ ذلك بفضل اللّه عام الفتح . وَالْفِتْنَةُ فسر بالشرك ، والأولى تفسيرها بالمحنة ؛ التي يفتن بها الإنسان ، كالتعذيب ، والإخراج من الوطن أعظم من القتل ؛ لدوام تعبها ، وتألم النفس بها ، ومنه قول الشاعر : [ الطويل ] لقتل بحدّ السّيف أهون موقعا * على النّفس من قتل بحدّ فراق تقتلوهم ، يقتلوكم ، قتلوكم : هذه الأفعال الثلاثة تقرأ بالألف ، وبدونها ، ولا يتغيّر معناها ، ولا إعرابها . وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ . . . إلخ : جاء في الصحيحين من قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ هذا البلد حرّمه اللّه يوم خلق السّموات والأرض ، فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة ، ولم يحلّ إلّا ساعة من نهار - وإنّها ساعتي هذه - فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة ، لا يعضد شجره ، ولا يختلى خلاه ، فإن أحد ترخّص بقتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فقولوا : إنّ اللّه أذن لرسوله ، ولم يأذن لكم » . يعني بذلك صلّى اللّه عليه وسلّم : قتاله أهله يوم فتح مكّة . هذا ؛ ونصّ الآية الكريمة : أنه لا يجوز قتال الكافر حتّى يقاتل في الحرم ، ولكن الآية الآتية : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ عمّمت القتال . كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ : أي : مثل ذلك جزاؤهم ، يفعل بهم مثل ما فعلوا بكم ، والجزاء من جنس العمل . الإعراب : وَاقْتُلُوهُمْ : فعل أمر مبني على حذف النون ، والواو فاعله ، والهاء مفعوله ، والجملة الفعلية ، معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة لا محل لها مثلها . حَيْثُ : ظرف مكان متعلق بالفعل قبله ، مبني على الضم في محل نصب . ثَقِفْتُمُوهُمْ : فعل ماض مبني على السكون ، والتاء فاعله ، والميم علامة جمع الذّكور ، وحركت بالضم لتحسين اللفظ ، فتولدت واو الإشباع ، والهاء مفعول به ، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة : حَيْثُ إليها ، وجملة :