الشيخ محمد علي طه الدرة

431

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

وهذا وعد من السميع العليم بإعطاء العبد سؤله . هذا ؛ والياآن من قوله : الدَّاعِ و دَعانِ ؛ من الزوائد عند القرّاء ، ومعنى ذلك : أنّ الصحابة لم تثبت لها صورة في المصحف ، فمن القرّاء من أسقطها تبعا للرّسم وقفا ، ووصلا ، ومنهم من يثبتها في الحالين ، ومنهم من يثبتها وصلا ، ويحذفها وقفا . ومثل هذا كثير مثل قوله تعالى في سورة ( القمر ) : يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ . فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي أي : بالطاعة ، والخضوع ، والامتثال لأمري . فيما آمر به ، وفيما أنهى عنه . هذا ؛ وأجاب ، واستجاب بمعنى ، فالسين والتاء زائدتان ، انظر : اسْتَوْقَدَ في الآية رقم [ 17 ] . وَلْيُؤْمِنُوا بِي : هذا أمر بالثبات على الإيمان ، والمداومة عليه . هذا ؛ وقال القرطبيّ : الدّعاء هنا بمعنى : العبادة ، والإجابة بمعنى : القبول ، فصار المعنى : أقبل عبادة من عبدني . دليله ما رواه أبو داود عن النّعمان بن بشير - رضي اللّه عنهما - عن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « الدّعاء هو العبادة ، قال ربّكم : ادعوني أستجب لكم » فسمّى الدعاء عبادة . أقول : إبقاء الكلام على ظاهره من أنّ المراد الدّعاء أولى ، وأصحّ . لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ : يهتدون ، ويوفّقون إلى ما فيه خيرهم ، وصلاحهم . هذا ؛ والرّشد ، والرّشد ، والرّشاد : الهدى ، والاستقامة ، وضدّه : الغيّ ، والضّلال ، والفساد . والفعل رشد يأتي من الباب الأول ، رشد ، يرشد رشدا ، ومن الباب الرّابع رشد ، يرشد رشدا . تنبيه : روي : أنّ جماعة من الصّحابة قالوا : يا رسول اللّه ! أقريب ربّنا ، فنناجيه ، أم بعيد ، فنناديه ؟ فنزلت الآية الكريمة . وقال ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - : قال يهود المدينة : يا محمّد ! كيف يسمع ربنا دعاءنا ؛ وأنت تزعم أنّ بيننا وبين السّماء خمسمئة عام ، وأن غلظ كلّ سماء مثل ذلك ؟ ! هذا ؛ وما ذكر في الكتاب والسنّة من قرب اللّه ، ومعيّته لا ينافي ما ذكر من علوّه ، وفوقيته ، فإنه سبحانه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ . وفي الحديث الصحيح عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ الّذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته » . تنبيه : لعلّك تدرك معي : أنّ هذه الآية معترضة بين سابقتها ، ولا حقتها ؛ لأنّ الآيتين ، بل الآيات كلّها متعلقة بأحكام صيام رمضان . هذا ؛ وإنّ الغرض من إقحام هذه الآية بينهما هو الاهتمام بالدّعاء ، وبيان فضله ، والحثّ على الإكثار منه ، وأنّه عند اللّه بمقام عظيم ، وأجر جزيل ، ولذا قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « الدّعاء مخّ العبادة » ، رواه الترمذيّ عن أنس ، رضي اللّه عنه . وخذ ما يلي : فعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « الدّعاء سلاح المؤمن ، وعماد الدّين ، ونور السّموات ، والأرض » . رواه الحاكم . وعن سلمان الفارسيّ - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه حييّ كريم ، يستحيي إذا رفع الرّجل إليه يديه أن يردّهما صفرا خائبتين » . رواه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجة .