الشيخ محمد علي طه الدرة
423
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
فالرّخصة موجودة بقوله تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ، وبقوله جل ذكره : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ . فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ أي : كلّ من أفطر بعذر يجب عليه أن يعدّ الأيام التي أفطرها ، ثم يقضيها بعد التمكّن من القضاء إلا المريض الّذي لا يرجى برؤه ، والشّيخ ، والشّيخة اللذين لا يرجى صومهما بسبب الهرم ، والضعف ، فهؤلاء يخرجون كفارة لكلّ يوم أفطروا فيه . هذا ؛ و أُخَرَ : صفة ل أَيَّامٍ ، و « أُخَرَ » على ضربين : ضرب جمع : أخرى تأنيث أخر ، بفتح الخاء أفعل تفضيل ، وضرب جمع : أخرى بمعنى : آخرة ، تأنيث آخر بكسرها مقابل ل « أول » ، ومنه قوله تعالى : قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ فالضرب الأول لا يصرف ، والعلّة المانعة من الصّرف : الوصف ، والعدل . ولا تنس أنّ قبل : فَعِدَّةٌ . . . إلخ جملة محذوفة التقدير : « فأفطر » . وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ : روى البخاريّ - رحمه اللّه تعالى - عن سلمة ابن الأكوع - رضي اللّه عنه - : أنه قال : لمّا نزلت : وَعَلَى الَّذِينَ . . . إلخ كان من أراد أن يفطر يفتدي حتى نزلت الآية الّتي بعدها ، فنسختها . ومثله عن ابن عمر ، رضي اللّه عنهما ، وبه قال السّدّي ، والمراد بالتي بعدها : قوله تعالى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ . وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : ليست منسوخة ، هو الشّيخ الكبير ، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما ، فيطعمان مكان كل يوم مسكينا . أخرجه البخاريّ عن عطاء ، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، وعليه يكون المعنى : وعلى الذين كانوا يطيقونه في حال الشّباب ، ثم يعجزون عنه في حال الشّيخوخة فدية طعام مسكين ، ولذا قرأ ابن عباس : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ وقيل : هي محكمة ، وقبلها « لا » مقدّرة ، أي : لا يطيقونه لكبر ، أو مرض لا يرجى برؤه . فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ : هي القدر الذي يبذله المسلم يقي نفسه به من تقصير وقع منه في عبادة ، أو نحوها من كفارة يمين ، أو ظهار ، أو جماع في شهر رمضان ، أو فعل محظور في الحجّ . . . إلخ ، لكن ما مقدار هذه الفدية فيما ذكر ؟ فاللّه يقول : طَعامُ مِسْكِينٍ وكثير من العلماء يقولون : مدّ من قمح ، وهل يكون المدّ في هذه الأيام طعام مسكين ؟ فلا حول ولا قوة إلا باللّه ، فقد روى البخاريّ رحمه اللّه تعالى : أنّ أنس بن مالك - رضي اللّه عنه - أطعم بعدما كبر عاما ، أو عامين ، عن كلّ يوم مسكينا خبزا ، ولحما ، وأفطر . فأنس - رضي اللّه عنه - يطعم المسكين خبزا ، ولحما ، وهم يعطونه مدّ قمح ، فكأنه بنظرهم حمامة ، أو دجاجة يلتقط الحبّات بمنقاره ، وانظر شرح المسكين في الآية رقم [ 177 ] . وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ فهذه الخيرية تعمّ كلّ من ترخّص الإفطار بعذر من الأعذار ، ويقدر على الصوم بلا مشقّة ، وعناء ، ما عدا الحائض ، والنفساء ، فإنّ فطرهما واجب ، وصومهما لا ينعقد . إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ بركة الصيام في رمضان ؛ فلا تفطروا بمجرد العذر المرخّص للإفطار .