الشيخ محمد علي طه الدرة
405
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
وانظر الآية رقم [ 51 ] . وهذه صفات المؤمنين الحقيقيين ، ونقيضها صفات المنافقين الكذّابين ، المخادعين وَالصَّابِرِينَ : انظر : الآية رقم [ 45 ] . الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ : اسمان مشتقان من البؤس ، والضر بضم الباء والضاد ، ولا فعل لهما ؛ لأنهما اسمان ، وليسا بنعت ، وعن الأزهريّ : البأساء في الأموال ، كالفقر ، والضرّاء في الأنفس ، كالمرض ، وبعبارة أوضح أقول : البؤس : الشرّ ، والجهد ، والشدّة ، مؤنّثه : بؤسى بوزن رجعي ، وتمدّ فتفتح الباء ، كما في هذه الآية ، وغيرها . وَحِينَ الْبَأْسِ أي : حين شدّة القتال في سبيل اللّه ، قال الإمام عليّ - رضي اللّه عنه - : كنّا إذا اشتدّ البأس ؛ اتّقينا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . أُولئِكَ أي : الموصوفون بما ذكر ، الْمُتَّقُونَ : أي : الذين امتثلوا أمر اللّه فيما أمر ، وفيما نهى عنه . هذا ؛ وجاء الخبر في الجملة الأولى فعلا ماضيا : صَدَقُوا لإفادة التحقيق ، وأن ذلك وقع منهم ، واستقرّ ، وجاء الخبر في الجملة الثانية جملة اسمية : هُمُ الْمُتَّقُونَ ليدل على الثبوت ، وأنه ليس متجدّدا ، بل صار كالسّجيّة لهم ، ومراعاة للفاصلة أيضا . ووصفهم اللّه بالصدق في الأقوال ، والأعمال ، والتّقوى في أمورهم والوفاء بها ، وهذا غاية الثناء . والصّدق : خلاف الكذب ، ويقال : صدقوهم القتال بمعنى : ثبتوا في الميدان ، والصّدّيق : الملازم للصّدق ، وفي الحديث الصّحيح : « عليكم بالصّدق ، فإنّ الصّدق يهدي إلى البرّ ، والبرّ يهدي إلى الجنّة ، وما يزال الرّجل يصدق ، ويتحرّى الصّدق حتّى يكتب عند اللّه صدّيقا » . أخرجه البخاريّ ، ومسلم ، وغيرهما عن عبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنه - عن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم . تنبيه : جاء ( الصَّابِرِينَ ) منصوبا بالياء ، والأصل أن يكون مرفوعا عطفا على ما قبله ، وإنما نصب على الاختصاص ، أو المدح ؛ أي : وأخص بالذّكر ، أو أمدح الصابرين ، وهذا الأسلوب معروف عند البلغاء ، فإذا ذكرت صفات للمدح ، أو الذمّ ، وخولف الإعراب في بعضهما ؛ فذلك تفنّن ، ويسمّى : قطعا ؛ لأن تغيير المألوف يدل على مزيد اهتمام بشأنه ، وتشويق لسماعه . ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة ( النّساء ) رقم [ 162 ] : وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ . تنبيه : يطعن المستشرقون ، والملحدون من أبناء المسلمين في الإسلام ، وينعتونه بالقسوة ، وبأنّه عمل على تكديس الرقّ ، وتكريسه ، انظر ما ذكرته في الآية رقم [ 33 ] من سورة ( النور ) تجد الجواب كافيا شافيا بحمد اللّه ، وتوفيقه . الإعراب : لَيْسَ : فعل ماض ناقص . الْبِرَّ : خبر : لَيْسَ مقدم . أَنْ : حرف مصدري ونصب . تُوَلُّوا : فعل مضارع منصوب ب أَنْ وعلامة نصبه حذف النون ؛ لأنه من الأفعال الخمسة ، والواو فاعله ، والألف للتفريق ، و أَنْ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع اسم لَيْسَ مؤخّر . وهذه قراءة حفص ، وقرأ الباقون برفع ( البر ) على أنّه اسم :