الشيخ محمد علي طه الدرة

399

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

جشعهم ، وأنّهم باعوا آخرتهم بحظّهم من المطعم الذي لا خطر له ، فسمى اللّه ما أكلوه من الرّشا نارا ؛ لأنّه يؤدّيهم إلى النار . هكذا قال أكثر المفسرين . وقيل : إنّه يعاقبهم على كتمانهم بأكل النار في جهنّم حقيقة ، كأنما أخبر عن المآل بالحال ، كما قال تعالى في سورة ( النّساء ) رقم [ 10 ] : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً أي : إنّ عاقبته تؤول إلى ذلك ، ومنه قول أبي سعيد سابق البريري ، وهو الشّاهد رقم [ 387 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » - : [ الطويل ] فللموت تغذو الوالدات سخالها * كما لخراب الدّور تبنى المساكن وأيضا قول عبد اللّه بن الزّبعرى - وهو الشاهد رقم [ 388 ] من كتابنا المذكور - : [ المتقارب ] فإن يكن الموت أفناهمو * فللموت ما تلد الوالدة وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي : كلام رحمة لشدّة غضبه عليهم ، وإنّما يكلمهم كلام سخط ، ومقت ، فيقول لهم : اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ . انظر سورة ( المؤمنون ) رقم [ 108 ] . وَلا يُزَكِّيهِمْ : ولا يطهّرهم من أدران الذنوب ، والسيئات . أو : لا يصلح أعمالهم الخبيثة ، فتطهر ، وفي صحيح مسلم - رحمه اللّه تعالى - عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ثلاثة لا يكلّمهم اللّه يوم القيامة ، ولا يزكّيهم ، ولا ينظر إليهم ، ولهم عذاب أليم : شيخ زان ، وملك كذّاب ، وعائل مستكبر » . وإنّما خص هؤلاء بأليم العذاب ، وشدّة العقوبة لمحض المعاندة ، والاستخفاف الحامل لهم على تلك المعاصي ؛ إذ لم يحملهم على ذلك حاجة ، ولا دعتهم إليه ضرورة ، كما تدعو من لم يكن مثلهم . الإعراب : إِنَّ : حرف مشبه بالفعل . الَّذِينَ : اسمها مبني على الفتح في محلّ نصب ، والجملة الفعلية بعدها صلتها . ما : اسم موصول ، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ، والجملة الفعلية بعدها صلتها ، أو صفتها ، والعائد أو الرابط محذوف ، التّقدير : يكتمون الّذي ، أو شيئا أنزله اللّه . مِنَ الْكِتابِ : متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف ، و مِنَ بيان لما أبهم في : ما ، والجملة الفعلية : وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا معطوفة على جملة : يَكْتُمُونَ . . . إلخ لا محلّ لها مثلها . أُولئِكَ : اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ ، والكاف حرف خطاب لا محل لها . ما : نافية . يَأْكُلُونَ : فعل مضارع مرفوع ، وعلامة رفعه ثبوت النون ، والواو فاعله . فِي بُطُونِهِمْ : متعلقان بما قبلهما ، وقيل : متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة ، والأول أقوى . والهاء : في محل جرّ بالإضافة ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ ، والجملة