الشيخ محمد علي طه الدرة

394

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

الْمَيْتَةَ أي : أكلها ، أو الانتفاع بشيء منها ، وهي الّتي ماتت من غير ذكاة شرعية ، والحديث ألحق بها ما أبين من حيوان حيّ ، وخصّ منها السّمك ، والجراد بقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أحلّت لنا ميتتان ، ودمان : السّمك ، والجراد ، والكبد ، والطّحال » . وكذلك جنين المذكّاة الميت في بطنها ، فأكله جائز من غير تذكية له إلا أن يخرج حيا فيذكّى ، ويكون له حكم أمّه ، فقد روى جابر بن عبد اللّه - رضي اللّه عنهما - : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سئل عن البقرة ، والشاة تذبح ، والناقة تنحر ، فيكون في بطنها جنين ميّت ، فقال : « إن شئتم فكلوه ؛ لأنّ ذكاته ذكاة أمّه » . أخرجه أبو داود بمعناه من حديث أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه . هذا ؛ ويلحق بالميتة ذبيحة كل وثنيّ ، ووثنية ، بخلاف ذبيحة الكتابيّ ، والكتابية ، فإنّها تؤكل ، وكذا نكاح المحصنات من أهل الكتاب جائز لقوله تعالى : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [ المائدة : 5 ] . هذا ؛ وأصل الميتة بتشديد الياء ؛ لأن بناءه فيعلة ، والأصل ميوتة فقل في إعلاله : اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداها بالسكون فقلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء في الياء ، والميتة والميت بفتح الميم وسكون الياء فيهما ، وهو من فارقت روحه جسده ، وجمعه : أموات . وأما المشدّد فهو الحيّ الذي سيموت ، وعليه قوله تعالى : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ، وجمعه : موتى ، قال بعض الأدباء في الفرق بينهما : [ الطويل ] أيا سائلي تفسير ميت وميّت * فدونك قد فسّرت ما عنه تسأل فمن كان ذا روح فذلك ميّت * وما الميت إلّا من إلى القبر يحمل هذا هو الأصل الغالب في الاستعمال . وقد يتعاوضان كما في قول عديّ بن الرّعلاء الغسّاني - وهو الشّاهد رقم [ 834 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » - : [ الخفيف ] ليس من مات فاستراح بميت * إنّما الميت ميّت الأحياء إنما الميت من يعيش كئيبا * كاسفا باله قليل الرّجاء ( الدَّمَ ) : المراد به دم الحيوان الذي يذبح ، كان الجاهليون يجمدونه ، ويقلونه بالزيت ، ونحوه ، ويأكلونه . اتفق العلماء على أنّ الدّم حرام نجس ، لا يؤكل ، ولا ينتفع به ، قال ابن خويز منداد : وأمّا الدّم فحرام ما لم تعم به البلوى ، ومعفو عمّا تعمّ به لبلوى ، والذي تعم به البلوى هو الدم في اللحم وعروقه ، ويسيره في البدن ، والثوب يصلى فيه . وقد روت عائشة - رضي اللّه عنها - : كنّا نطبخ البرمة على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، يعلوها الصفرة من الدّم ، فنأكل ، ولا ننكره ؛ لأنّ التحفظ من هذا إصر ، وفيه مشقة ، والإصر ، والمشقّة في الدّين موضوع . وقد أحلّ لنا دمان بقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أحلّ لنا من الدّم دمان ، ومن الميتة ميتتان : الحوت ، والجراد ،