الشيخ محمد علي طه الدرة

37

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 5 ] أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 5 ) الشرح : أُولئِكَ : الإشارة إلى الذين وصفوا بالآيتين السّابقتين بالصفات الحميدة ، والأعمال المجيدة ، هذا ؛ و أُولئِكَ جمع : ذلك ، وقد يجمع على أولالك ، وأنشد ابن السكيت : [ الطويل ] أولالك قومي لم يكونوا أشابة * وهل يعظ الضّلّيل إلا أولالكا ؟ ! و أُولئِكَ لجماعة العقلاء ، وربما جاء في غير العقلاء ، قال جرير من قصيدة يهجو بها الفرزدق وهو الشاهد رقم [ 80 ] من كتابنا : « فتح رب البرية » : [ الكامل ] ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى * والعيش بعد أولئك الأيّام وقال تعالى في سورة ( الإسراء ) رقم [ 36 ] : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا . هذا ؛ وقد قال العلماء : إنّ في قوله تعالى : مِنْ رَبِّهِمْ ردّا على القدرية ، والمعتزلة ، والإمامية في قولهم : إن الإنسان يخلق أفعال نفسه - تعالى اللّه عن قولهم - ولو كان كما قالوا ؛ لقال : « من أنفسهم » وقد تقدم الكلام فيه ، وفي الهدى . انتهى القرطبي . هذا وفي قوله تعالى : عَلى هُدىً استعارة تبعية بالحرف ، أي : تمكّنوا من الهداية التامة ، ويقال في إجرائها : شبّه مطلق ارتباط بين مهدي وهدى ، بمطلق ارتباط بين مستعل ومستعلى عليه بجامع التمكّن في كلّ ، فسرى التشبيه من الكليين للجزئيات ، ثم استعيرت « على » من جزئي من جزيئات المشبّه به لجزئي من جزيئات المشبّه على طريق الاستعارة التّصريحية التّبعيّة . وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ : الفائزون برضا اللّه ، الناجون من غضبه ، وعقابه ، فهو جمع اسم فاعل ، من : أفلح الرجل : فاز ببغيته ، ومراده ، وأصله ، « مؤفلح » فعل فيه ما فعل بما قبله ، وتكرّر اسم الإشارة لإظهار مزيد العناية بشأن المشار إليهم ، وأنهم جديرون بذلك الفضل الذي خصّهم اللّه به ، ومنحهم إياه ، هذا و « الفلح » أصله في اللغة : الشقّ ، والقطع ، ومنه فلاحة الأرضين ؛ أي : شقها للحرث ، ولذلك سمي الأكّار فلاحا ، ويقال للذي شقّت شفته السفلي ، أو العليا : أفلح ، والفلاح : البقاء ، والدوام ، قال الأضبط بن قريع السّعدي في الجاهلية الجهلاء : [ الرجز ] لكلّ همّ من الهموم سعة * والمسي والصّبح لا فلاح معه يقول : ليس مع كر اللّيل والنهار بقاء ، وقال آخر : [ الطويل ] نحلّ بلادا كلّها حلّ قبلنا * ونرجو الفلاح بعد عاد وحمير