الشيخ محمد علي طه الدرة

353

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

الشمول ، وهذا يسمّى في البلاغة بالإطناب ، والمعنى : يعلمكم أمورا لا تعلمونها بعقولكم ، ولا تصل إليها أفهامكم ، وذلك بأخبار الأمم الماضية ، وقصص الأنبياء ، وأخبار الحوادث المستقبلة ، بالإضافة إلى الأمور التشريعية ؛ التي لم تكن موجودة في الديانات السابقة ولا علم لكم بها . هذا ؛ ومعنى الآية الكريمة : أن اللّه تعالى يذكّر عباده المؤمنين بما أنعم به عليهم من بعثة الرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فهو يقرأ عليهم آيات القرآن البينات ، ويزكيهم ؛ أي : يطهرهم من رذائل الأخلاق ، ودنس النفوس ، وأفعال الجاهلية ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور ، ويعلمهم الكتاب ، وهو القرآن ، والحكمة ، وهي السنة المطهرة وغير ذلك مما ذكرته سابقا ، ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون ، فكانوا في الجاهلية الجهلاء يسفهون بالقول العقلاء ، والحكماء ، فانتقلوا ببركة رسالته ، وبمنّ دعوته إلى حال الأولياء ، وسجايا العلماء ، فصاروا أعمق الناس علما ، وأبرّهم قلوبا ، وأطهرهم نفوسا ، وأصدقهم حجة ، وقد قال تعالى في سورة ( آل عمران ) رقم [ 164 ] : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ . وقال تعالى في سورة الجمعة رقم [ 2 ] : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ . الإعراب : كَما : الكاف : حرف تشبيه وجر . ( ما ) : مصدرية . أَرْسَلْنا : فعل ، وفاعل . فِيكُمْ : صفة رَسُولًا و ( ما ) المصدرية ، والفعل أَرْسَلْنا في تأويل مصدر في محل جر بالكاف ، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف ، عامله الفعل : ( أتمّ ) في الآية السابقة ، وتقدير الكلام : لأتمّ نعمتي عليكم إتماما كائنا مثل إرسالنا فيكم رسولا . هذا ؛ وجوز البيضاوي ، والنّسفي تبعا للزمخشري تعليق الجار والمجرور بالآية التالية ؛ أي : فاذكروني كما ذكرتكم بإرسال رسول . . . إلخ ، والأول قاله الفرّاء ، واستحسنه ابن عطيّة . والثاني اختاره الزجّاج . وقال القرطبيّ : وهو اختيار الترمذيّ الحكيم في كتابه . . . إلخ ، كما أجيز تعليقهما بمحذوف حال من الكاف ، والميم ، والمعنى : ولأتمّ نعمتي عليكم في هذه الحال . يَتْلُوا : فعل مضارع مرفوع ، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الواو للثقل ، والفاعل يعود إلى رَسُولًا والجملة الفعلية في محل نصب صفة : رَسُولًا ، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدّم ، والجمل بعدها معطوفة عليها على الاعتبارين فيها ، عَلَيْكُمْ : جار ومجرور متعلقان بما قبلهما . آياتِنا : مفعول به منصوب ، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة ؛ لأنه جمع مؤنث سالم ، و ( نا ) : ضمير متصل في محل جر بالإضافة . ( يُزَكِّيكُمْ ) : فعل مضارع مرفوع ، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل ، والفاعل يعود إلى رسولا ، والكاف مفعول به ، ( يُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ ) : مضارع ، ومفعولاه ، والفاعل يعود إلى رسولا أيضا . وَالْحِكْمَةَ : معطوف على ما قبله . ( يُعَلِّمُكُمُ ) : مضارع ومفعوله الأول ، والفاعل يعود إلى : رَسُولًا . . ما :