الشيخ محمد علي طه الدرة
350
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
لأنه أول ناسخ وقع في الإسلام على ما نصّ عليه ابن عباس ، وغيره ، وقيل : بل هو منزل على أحوال ، فالأول : لمن شاهد الكعبة ، والأمر الثاني : لمن هو في مكة غائبا عن الكعبة ، والأمر الثالث : لمن هو في بقية البلدان . هكذا وجهه فخر الدين الرازي . وقال القرطبي : الأول : لمن هو في مكة ، والثاني : لمن هو في بقيّة الأمصار ، والثالث : لمن خرج في الأسفار . لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ : المراد بهم اليهود ، فإنّهم يعلمون من صفة هذه الأمّة التوجّه إلى الكعبة ، فإن فقدوا ذلك من صفتها ؛ ربما احتجّوا بها على المسلمين ، ولئلا يحتجّوا بموافقة المسلمين إيّاهم في التوجّه إلى بيت المقدس . وقال أبو العالية : يعني به أهل الكتاب حين قالوا : صرف محمد إلى الكعبة ، وقالوا : اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ، ودين قومه ، وكانت حجّتهم على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم انصرافه إلى البيت الحرام ، أن قالوا : سيرجع إلى ديننا ، كما رجع إلى قبلتنا . إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ أي : إلا المعاندين منهم : اليهود ، والمشركون ، فاليهود قالوا : ما تحوّل محمد إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين آبائه ، وحبّا لبلده . والمشركون قالوا : رجع محمّد إلى قبلة إبراهيم ، وسيرجع إلى دين آبائه ، وأجداده . وجواب الجميع : أن اللّه تعالى اختار له التوجه إلى بيت المقدس أولا ، لما له تعالى في ذلك من الحكمة ، فأطاع ربّه تعالى في ذلك ، ثمّ صرفه إلى قبلة إبراهيم ، وهي الكعبة ، فامتثل أمر اللّه تعالى في ذلك أيضا ، فهو - صلوات اللّه وسلامه عليه - مطيع للّه في جميع أحواله ، لا يخرج عن أمر اللّه تعالى طرفة عين ، وأمته تبع له . ذكر الأخفش ، والفرّاء ، وأبو عبيدة ، ومعمر بن المثنى : أنّ « إلّا » تأتي عاطفة بمنزلة الواو في التّشريك في اللفظ ، والمعنى ، وجعلوا منه : إِلَّا في هذه الآية ، والآية رقم [ 11 ] من سورة النّمل ، وتأولهما الجمهور على الاستثناء المنقطع ، وخذ قول الفرزدق : [ البسيط ] ما بالمدينة دار غير واحدة * دار الخليفة إلّا دار مروانا فالعطف فيه ظاهر ، وأيضا قول الآخر : [ الكامل ] وأرى لها دارا بأغدرة ال * يدان لم يدرس لها رسم إلّا رمادا هامدا دفعت * عنه الرّياح خوالد سحم هذا ؛ والمراد بحجّتهم الاعتراض ، والمجادلة بالباطل ، لا الحجّة حقيقة ، والمجادلة الباطلة قد تسمّى حجة ، كقوله تعالى : حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ لشبهها لها صورة ، وسمّاها اللّه تعالى حجّة ، وحكم بفسادها حيث كانت من ظلمة . والمعنى : لا حجة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة ؛ حيث قالوا : ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها وتحيّر محمّد في دينه ، وما توجه إلى قبلتنا إلا أنا كنا أهدى منه ، وغير ذلك من الأقوال التي لم تصدر إلا من عابد وثن ، أو من يهوديّ ، أو منافق .