الشيخ محمد علي طه الدرة

347

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

الْحَقُّ مبتدأ ، وخبره محذوفا ؛ أي : الحقّ من ربك يعرفونه ، فيكون الجار والمجرور متعلقين بمحذوف حال من : الْحَقُّ وهو ضعيف كما ذكرته فيما مضى . هذا ؛ وقرئ بنصب ( الحقّ ) ، وخرج على وجوه : على أنّه منصوب ب يَعْلَمُونَ ، أو على تقدير : الزم الحق ، أو على اعتباره بدلا من سابقه . فَلا : الفاء : هي الفصيحة . ( لا ) : ناهية . تَكُونَنَّ : فعل مضارع ناقص مبني على الفتح في محل جزم بلا الناهية ، والنون حرف لا محل له ، اسمه ضمير مستتر تقديره : أنت . مِنَ الْمُمْتَرِينَ : متعلقان بمحذوف خبر : تَكُونَنَّ : والجملة الفعلية لا محل لها ؛ لأنها جواب الشرط المحذوف المقدر ب « إذا » ، والشرط المقدر ، ومدخوله كلام مستأنف لا محل له فيما يظهر . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 148 ] وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 148 ) الشرح : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ : أي : لكلّ فريق من المسلمين ، واليهود ، والنصارى . وجهته . والقياس : جهة ، مثل : زنة ، وعدة ، وقد جاء على الأصل المتروك في عدة ، وزنة . هذا ؛ وقيل : سلمت الواو في وِجْهَةٌ للفرق بين عدة ، وزنة ؛ لأنّ « جهة » ظرف ، وتلك مصادر ، ومعنى وِجْهَةٌ : قبلة يتّجه إليها في صلاته ، فقبلة المسلمين الكعبة ، وقبلة اليهود بيت المقدس ، وقبلة النّصارى مشرق الشمس . هُوَ : في هذا الضمير وجهان : أحدهما هو ضمير اسم اللّه ، والثّاني : هو ضمير ( كلّ ) فعلى الأولى المعنى : اللّه موجّه من يشاء إلى الجهة التي يشاؤها ، وعلى الثاني المعنى : صاحب القبلة مولّيها نفسه . فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أي : سارعوا ، وبادروا ، وتنافسوا في الخيرات ، وهي الطّاعات . قال تعالى : وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ . . . إلخ ، وقال جلّ ذكره : سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ . . . إلخ ، ومثل هذه الآية قوله تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً . أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً : أي : يجمعكم يوم القيامة للحساب ، والجزاء ، فيجازيكم بأعمالكم ، واللّه قادر مقتدر ، لا يعجزه شيء . هذا ؛ والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم حثنا كذلك على المسابقة في الأعمال الصالحات ، والمسابقة إلى الخيرات قبل فوات الأوان ، وضياع الفرص ، فقال : « بادروا بالأعمال فتنا كقطع اللّيل المظلم ، يصبح الرّجل مؤمنا ، ويمسي كافرا ، أو يمسي مؤمنا ، ويصبح كافرا ، يبيع دينه بعرض من الدّنيا » . أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه . فاللّه ورسوله لم يحثّا العباد على جمع الدّنيا ، والركض فيها ، والتّفاني في جمع حطامها الفاني ، بل حثّا على المسابقة على الطّاعات ، والمسارعة إلى الأعمال الصّالحات .