الشيخ محمد علي طه الدرة
338
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
وسطا ؛ خصّها بأكمل الشّرائع ، وأقوم المناهج ، وأوضح المذاهب ، كما قال تعالى : هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وفي سورة ( ن ) : قالَ أَوْسَطُهُمْ أي : أعدلهم ، وخيرهم ، وقال زهير في معلقته : [ الطويل ] هم وسط يرضى الأنام بحكمهم * إذا نزلت إحدى اللّيالي بمعظم وفي الحديث : « خير الأمور أوساطها » . وفيه عن علي - رضي اللّه عنه - : « عليكم بالنّمط الأوسط ، فإليه ينزل العالي ، وإليه يرتفع النّازل » . وليس من الوسط الذي بين شيئين في شيء ، والوسط بسكون السين : الظرف ، تقول : صليت وسط القوم ، وجلست وسط القوم . قال الجوهري : كل موضع صلح فيه « بين » فهو وسط ، وإن لم يصلح فيه « بين » فهو وسط بالتّحريك . وانظر الآية رقم [ 237 ] الآتية . لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ هذا يكون يوم القيامة ، يوم يجمع اللّه الأوّلين والآخرين في صعيد واحد ، ثم يقول لكفار الأمم السّابقة : أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ * فينكرون ، ويقولون : ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فيسأل اللّه الأنبياء عن ذلك ، فيقولون : كذبوا ! قد بلغنا ، فيسألهم البينة - وهو أعلم بهم - إقامة للحجّة ، فيقولون : أمّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم تشهد لنا ، فيؤتى بأمة محمد ، عليه الصلاة والسّلام فيشهدون لهم : أنهم قد بلّغوا ، فتقول الأمم الماضية : من أين علموا ، وإنّما كانوا بعدنا ؟ فيسأل اللّه هذه الأمّة ، فيقولون : أرسلت إلينا رسولا كريما ، وأنزلت عليه كتابا مبينا ، أخبرتنا فيه بتبليغ الرّسل ، وأنت صادق فيما أخبرت . ثم يؤتى بمحمّد سيّد الخلق ، وحبيب الحقّ ، فيسأل عن حال أمّته ، فيزكّيهم ويشهد بصدقهم . انتهى . خازن . شُهَداءَ : جمع شاهد ، أو شهيد . الرَّسُولُ المراد به هنا محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم . الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها أي : أوّلا ، وهي الكعبة المعظّمة ، وكان النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يتوجّه إليها في صلاته ، وهو في مكّة ، كما رأيت فيما سبق ، فلمّا هاجر إلى المدينة المنوّرة ؛ أمره ربّه باستقبال بيت المقدس ، تألّفا لليهود ، فصلّى مستقبلا إيّاه ، كما رأيت فيما سبق ، ثمّ حوّل ، وهو ما تراه في الآية التالية . لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ . . . إلخ أي : لنمتحن به الناس ، ونميّز من يتّبعك في التّوجه إليها ممّن يرتدّ عن دينك شكّا ، وتحيّرا . وقد ارتدّ جماعة . هذا ؛ والتعبير بقوله تعالى : يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ استعارة تمثيلية ؛ حيث مثّل لمن يرتدّ عن دينه بمن ينقلب على عقبيه . ومثل هذه الآية قوله تعالى : وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ الآية [ 140 ] من سورة ( آل عمران ) ، وقوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ الآية رقم [ 31 ] من سورة ( محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ) . وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ أي : وإنّ هذا التوجه والتحويل إلى الكعبة كان امتحانا كبيرا ، وشاقّا على ضعفاء الإيمان ، لكنّ الذي كتب اللّه لهم السعادة ثبتهم على الإيمان ،