الشيخ محمد علي طه الدرة
319
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
ورغبت فيه : إذا أردته ، وأحببته ، ولذا كان قول القائل - وهو الشاهد رقم [ 925 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » - : [ الطويل ] ويرغب أن يبني المعالي خالد * ويرغب أن يرضى صنيع الألائم محتملا للمدح والذمّ بسبب تقدير الجار والمجرور ، كما يجوز تقدير ( عن ) أو ( في ) في قوله تعالى : وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ومثل يرغب : ادّعى ، يقال : ادّعى فلان في بني هاشم : إذا انتسب إليهم ، وادّعى عنهم : إذا عدل بنسبه عنهم . ومثله : عدل ، ومال ، وانحرف ، وغير ذلك كثير ، وهذا ممّا يدلّ على اتساع اللغة العربية . مِلَّةِ إِبْراهِيمَ : دينه ، وطريقته ، وشريعته . هذا ؛ والملة بفتح الميم : الرّماد الحار . إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ : استمهنها ، وأذلّها ، واستخفّ بها . قال المبرد ، وثعلب : سفه بالكسر متعدّ ، وبالضم لازم ، ويشهد له ما جاء عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « الكبر أن تسفه الحقّ ، وتغمص النّاس » أي : تحتقرهم ، والأول من باب : طرب ، والثاني من باب : ظرف . هذا ؛ وجاء في المختار : وقولهم : سفه نفسه ، وغبن رأيه ، وبطر عيشه ، وألم بطنه ، ووفق أمره ، ورشد أمره ، كان الأصل : سفهت نفس زيد ، ورشد أمره ، فلمّا حوّل الفعل إلى الرّجل ؛ انتصب ما بعده بوقوع الفعل عليه ؛ لأنّه صار في معنى سفّه نفسه بالتّشديد . هذا قول البصريين ، والكسائي ، ويجوز عندهم تقديم هذا المنصوب ، كما يجوز : غلامه ضرب زيد . وقال الفرّاء : لمّا حوّل الفعل من النفس إلى صاحبها ؛ خرج ما بعده مفسّرا ليدلّ على أنّ السّفه فيه ، وكان حكمه من النفس سفه زيد نفسا ؛ لأنّ المفسّر لا يكون إلا نكرة ، ولكنه ترك على إضافته ، ونصب ، كنصب النّكرة تشبيها بها ، ولا يجوز عنده تقديمه ؛ لأن المفسّر لا يتقدّم ، ومثله قولهم : ضقت به ذرعا ، وطبت به نفسا ، والمعنى : ضاق ذرعي به ، وطابت نفسي به . انتهى بحروفه . اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا اخترناه على غيره بالرّسالة والخلّة . وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ أي : الذين لهم الدّرجات العلى . هذا ؛ والصّلاح درجة عالية ، ومكانة رفيعة ، ولذلك سأل اللّه هذه المنزلة يوسف الصدّيق ، عليه وعلى نبينا ، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ألف صلاة ، وألف سلام ، سأله هذه المنزلة قبل وفاته ، وقد حكى القرآن ذلك عنه : * رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وسألها إبراهيم عليه السّلام ، وحكاها القرآن عنه : رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ سورة ( الشعراء ) . وطلبها سليمان عليه السّلام ، وحكاها القرآن الكريم عنه : وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ سورة ( النمل ) ، وقال تعالى في حقّ إسماعيل ، وإدريس ، وذي الكفل ، على نبينا ، وعليهم ألف صلاة ، وألف سلام : وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ .