الشيخ محمد علي طه الدرة
316
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
وهاجر . ( مِنْ ذُرِّيَّتِنا ) : ( مِنْ ) للتبعيض ؛ أي : واجعل بعض ذريتنا ؛ لأن اللّه تعالى قد كان أعلمه : أنّ منهم ظالمين . أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ : جماعة خاضعة ، منقادة لأوامرك ، وإنّما خصّ الذريّة بالدّعاء ؛ لأنهم أحقّ بالشّفقة ، والنّصيحة ، قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً . ولأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا ؛ صلح بهم غيرهم . هذا ؛ و أُمَّةً تكون واحدا إذا كان يقتدى به ، كقوله تعالى في حقّ إبراهيم - على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام - : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً رقم [ 120 ] من سورة ( النّحل ) ، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في زيد بن عمرو بن نفيل : « يبعث أمّة وحده » ؛ لأنه لم يشرك في دينه غيره ، والأمّة : الطريقة والملّة والدّين ، كقوله تعالى حكاية عن قول المشركين : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ * ومنه قوله تعالى : إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً . وكل جنس من الحيوان أمّة ، كقوله تعالى : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ . وانظر الآية رقم [ 199 ] الآتية . والأمة : الحين ، والوقت ، كقوله تعالى : وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أي : بعد وقت ، وحين . والأمّة : الشّجّة التي تبلغ الدماغ ، يقال : رجل مأموم ، وأميم . والأمة أيضا : القامة ، يقال : فلان حسن الأمة ؛ أي : حسن القامة ، قال الشاعر : [ المتقارب ] وإنّ معاوية الأكرمي * ن حسان الوجوه طوال الأمم وَأَرِنا مَناسِكَنا : علّمنا ، وأصله : أرئينا ، انظر ( نرى ) في الآية رقم [ 55 ] ، وهو هنا بمعنى : عرّفنا ، يتعدّى لواحد فقط ، ويتعدى للثاني بواسطة همزة التعدية . هذا ؛ والمناسك : شرائع العبادة على اختلاف درجاتها ، وتفاوت مراتبها ، أو هي : مناسك الحجّ . وقيل : مذابحنا ، والنّسك : الذبيحة ، وأصل النسك : العبادة ، والناسك : العابد . ويستدل بهذه الآية من يقول بتناسخ الأرواح . التَّوَّابُ الرَّحِيمُ : انظر الآية رقم [ 37 ] . هذا ؛ والمراد بقوله : وَتُبْ عَلَيْنا طلب التثبيت على الطّاعة ، والدوام على العبادة ، لا لأنهما كان لهما ذنب . وقيل : المراد : البيان للناس : أنّ ذلك الموقف ، وتلك المواضع مكان التنصّل من الذّنوب ، وطلب التّوبة ، والمغفرة . الإعراب : رَبَّنا : منادى حذف منه أداة النداء ، وانظر الآية السّابقة . ( اجْعَلْنا ) : فعل دعاء ، وفاعله مستتر تقديره : أنت . و ( نا ) : مفعول به أول . مُسْلِمَيْنِ : مفعول به ثان منصوب ، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة ؛ لأنه مثنى ، وجمع مذكر سالم ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد . لَكَ : متعلقان ب مُسْلِمَيْنِ وقيل : متعلقان بمحذوف صفة له ، وجملة : وَاجْعَلْنا معطوفة على جملة : تَقَبَّلْ في الآية السابقة ، وجملة النداء : رَبَّنا معترضة لتأكيد الدعاء . ( مِنْ ذُرِّيَّتِنا ) : متعلقان بفعل محذوف ، تقديره : اجعل ، وهما في محل نصب مفعوله الأول . و ( نا ) : في محل جر بالإضافة ، أُمَّةً : مفعول به ثان للفعل المقدر . مُسْلِمَةً : صفة أُمَّةً ، لَكَ : جار ومجرور متعلقان ب مُسْلِمَةً أو بمحذوف صفة له . وذكر أبو البقاء وجها آخر