الشيخ محمد علي طه الدرة
277
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
من أحد منكم يقولها لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأضربن عنقه ! فقالوا : أو ألستم تقولونها ؟ ! فأنزل اللّه عز وجل : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا لكي لا يجد اليهود بذلك سبيلا إلى شتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . انتهى . خازن . هذا ومثل هذه الآية في مغزاها ، ومعناها قوله تعالى في سورة ( النساء ) رقم [ 46 ] مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ . وَقُولُوا انْظُرْنا قال مجاهد : المعنى : فهمنا ، وبين لنا . وقيل : المعنى انتظرنا ، وتأنّ بنا . قال علقمة الفحل : [ الطويل ] فإنّكما إن تنظراني ساعة * من الدّهر ينفعني لدى أمّ جندب وقرأ الأعمش وغيره : ( أنظرنا ) بقطع الألف وكسر الظاء ، بمعنى : أخّرنا ، وأمهلنا حتى نفهم عنك ، ونتلقّى منك ، قال عمرو بن كلثوم في معلقته : [ الوافر ] أبا هند فلا تعجل علينا * وأنظرنا نخبّرك اليقينا وَاسْمَعُوا : أي : ما تؤمرون به ، وأطيعوا نهي اللّه تعالى عباده المؤمنين أن يقولوا لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم : راعنا ؛ لئلا يتطرّق أحد إلى شتمه . وأمرهم بتوقيره ، وتعظيمه ، وأن يتخيّروا لخطابه صلّى اللّه عليه وسلّم من الألفاظ أحسنها ، ومن المعاني أدقّها ، وإن سألوه ؛ يسألوه بتبجيل ، وتعظيم ، ولين ، ولا يخاطبوه بما يسرّ اليهود الخبثاء اللّؤماء . ففي الآية الكريمة دلالة على النّهي الشديد ، والتّهديد ، والوعيد على التشبّه بالكفار في أقوالهم ، وأفعالهم ، ولباسهم ، وأعيادهم ، وعباداتهم ، وغير ذلك من أمورهم ؛ التي لم تشرع لنا ، ولا نقرّ عليها . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من تشبّه بقوم فهو منهم » . أخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود عن ابن عمر ، رضي اللّه عنهما . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه - رضي اللّه عنه - : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ليس منّا من تشبّه بغيرنا ، لا تشبّهوا باليهود ، ولا بالنصارى ، فإنّ تسليم اليهود الإشارة بالأصابع ، وتسليم النّصارى الإشارة بالأكف » . رواه الترمذي . تنبيه : نادى اللّه عباده المؤمنين في هذه الآية بأكرم وصف ، وألطف عبارة ؛ أي : يا من صدقتم اللّه ورسوله ، وتحليتم بالإيمان الذي هو زينة الإنسان . وقد خاطب اللّه عباده المؤمنين بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا في ثمانية وثمانين موضعا من القرآن ، وهذا أول خطاب خوطب به المؤمنون في هذه السورة بالنداء الدال على الإقبال عليهم أن يتلقى المخاطبين . ونداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكرهم بأن الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقّى أوامر اللّه ونواهيه بحسن الطاعة ، والامتثال ، وإنما خصّهم اللّه بالنداء ؛ لأنهم هم المستجيبون لأمره ، المنتهون عمّا نهى عنه ؛ إذ الغالب أن يتبع هذا النداء بأمر ، أو بنهي . الإعراب : ( يا ) : أداة نداء تنوب مناب أدعو . ( أَيُّهَا ) : منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب ( يا ) ، و ( ها ) : حرف تنبيه لا محل له ، وأقحم للتوكيد ، وهو عوض من