الشيخ محمد علي طه الدرة

270

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

هذا ؛ وبعضهم يعتبر السّحر من الكبائر التي نهى اللّه عنها ، ويرى تحريمه ، من ذلك ما روي عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « اجتنبوا السبع الموبقات » ، قيل : يا رسول اللّه ! وما هنّ ؟ قال : « الإشراك باللّه ، والسّحر ، وقتل النفس الّتي حرّم اللّه إلا بالحق ، وأكل مال اليتيم ، والزنى ، والتّولّي يوم الزّحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات » . أخرجه البخاريّ ، ومسلم ، ويروى : « أكل الربا » بدل « الزنى » . وأيضا ما ري عن جابر بن عبد اللّه - رضي اللّه عنهما - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من أتى كاهنا ، أو ساحرا ، فصدّقه بما يقول ؛ فقد كفر بما أنزل على محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم » . رواه بإسناد جيّد قويّ . فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما : من الملكين . ما يُفَرِّقُونَ بِهِ : بالسّحر . بَيْنَ الْمَرْءِ : الرّجل ، وضم الميم فيه لغة تقول : هذا مرء صالح ، وهما مرآن ، وجمعه رجال من غير لفظه ، والمؤنثة : امرأة ، والمثنى : امرأتان ، وجمعها من غير لفظه نساء . وَما هُمْ أي : السّحرة بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي : بإرادته ، وقضائه ، لا بأمره ؛ لأنّ اللّه لا يأمر بالفحشاء ، ويقضي على الخلق بها . وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ أي : في الغالب بسبب استعماله في إيذاء الناس . وَلا يَنْفَعُهُمْ أي : في الآخرة ، إن أخذوا على استعماله دريهمات في الدّنيا ؛ فلا قيمة لها بجانب الضّرر الذي يلحقهم في الآخرة . وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ : اختاره صنعة ، أو استبدله بكتاب اللّه . ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ : من نصيب . وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أي : البديل الذي استبدلوا به من السّحر عوضا من الإيمان ، ومتابعة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولو كان لهم علم بما وعظوا به ؛ لاتّعظوا ، وانتفعوا . وهذا جار على الأسلوب المعروف في فنون البلاغة من أنّ العالم بالشيء إذا لم يجر على موجب علمه قد ينزّل منزلة الجاهل به ، وينفى عنه العلم ، كما ينفى عن الجاهلين ، والحكمة من تعليم الملكين النّاس السّحر : أن السحر كثر في ذلك الزّمن واخترعوا فنونا غريبة من السّحر ، وربما زعموا : أنّهم أنبياء ، فبعث اللّه تعالى الملكين ؛ ليعلما النّاس وجوه السحر ؛ حتّى يتمكّنوا من التمييز بينه ، وبين المعجزة ، ويعرفوا : أنّ الذين يدّعون النّبوة كذبا إنّما هم سحرة ، لا أنبياء . تنبيه : روى الترمذيّ عن جندب الأزديّ - رضي اللّه عنه - : أنّه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « حدّ السّاحر ضربه بالسّيف » . وقد روي من طرق متعدّدة : أن الوليد بن عقبة ، كان عنده ساحر يلعب بين يديه ، فكان يضرب رأس الرّجل ، ثم يصيح به ، فيرد إليه الرأس . فقال النّاس : سبحان اللّه ! يحيي الموتى ! ورآه رجل من صالحي المهاجرين ، فلما كان الغد جاء مشتملا على سيفه ، وذهب السّاحر يلعب لعبه ذلك ، فاخترط الرّجل سيفه ، وضرب به عنق السّاحر ، وقال : إن كان صادقا فليحيي نفسه ، وتلا قول اللّه تعالى : أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ فغضب الوليد ؛ إذ