الشيخ محمد علي طه الدرة
26
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
يناقض الهداية ، حيث قالوا : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فكما سألوه أن يهديهم ؛ سألوه أن لا يضلّهم ، وكذلك يدعون ، فيقولون : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا . . . إلخ رقم [ 8 ] من سورة ( آل عمران ) ، انتهى . غَيْرِ : اسم شديد الإبهام ، ك « مثل » لا يتعرف بالإضافة لمعرفة ، وغيرها ، وهو ملازم للإضافة ، ويجوز أن يقطع عنها إن فهم المعنى ، أو تقدمت عليها كلمة ليس ، يقال : قبضت عشرة ليس غير ، وهو مبني على الضم ، أو على الفتح ، خلاف ، وإن أردت الزيادة ؛ فانظر مبحثها في كتابنا : « فتح القريب المجيب » . الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ : اختلفت في المغضوب عليهم ، والضّالين من هم ؟ وجاء ذلك مفسرا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث عبيد بن حاتم الطائي ، وقصّة إسلامه حيث قال : هم اليهود ، وعن قوله تعالى : وَلَا الضَّالِّينَ قال : هم النصارى ، أخرجه أبو داود ، والتّرمذيّ ، وأحمد ، ويشهد لهذا التّفسير أيضا قوله تعالى في اليهود : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ الآية رقم [ 61 ] من سورة ( البقرة ) ، وقوله تعالى في سورة المائدة رقم [ 60 ] : مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ . وقال جل ذكره في النصارى : قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ هذا وفي الآية الكريمة تحذير للمؤمن من مسالك أهل الباطل ؛ لئلا يحشر مع سالكيه يوم القيامة ، ومن تشبّه بقوم فهو منهم . هذا والأصل في الضَّالِّينَ : ( الضّاللين ) حذفت حركة اللام الأولى ، ثمّ سكنت ، ثم أدغمت اللام في اللام ، فاجتمع ساكنان : مدّة الضاد بالألف ، واللام المدغمة ، وقرأ أيوب السختياني : ( ولا الضألين ) بهمزة غير ممدودة كأنه فر من التقاء الساكنين ، وهي لغة ، حكاها أبو زيد ، قال : سمعت عمرو بن عبيد يقرأ قوله تعالى في سورة ( الرحمن ) : ( فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ ) فظننته قد لحن حتى سمعت من العرب دأبة وشأبة ، قال أبو الفتح : وعلى هذه اللغة قول كثير عزّة : [ الطويل ] . . . * إذا ما العوالي بالعبيط احمأرّت انتهى قرطبي . هذا وقد راجعت قصيدة كثير عزة التائية في شرحي شواهد المغني للسيوطي والبغدادي ، فلم أجد هذه الشطرة فيها ، ومن أبياتها الشواهد رقم [ 728 و 773 و 852 ] من كتابنا فتح القريب المجيب . تنبيه : يسن للقارئ أن يقول بعد الفراغ من الفاتحة في الصلاة وخارجها بعد سكتة على نون ( وَلَا الضَّالِّينَ ) : آمين ؛ ليتميز ما هو قرآن مما ليس بقرآن ، وقد أطال القرطبي رحمه اللّه تعالى الكلام في فضله وفضائله ، آخذا من أحاديث الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وأقوال السلف الصالح ، والصحيح :