الشيخ محمد علي طه الدرة
247
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
نعم السّير على بئس العير . وأوله البصريون على حذف كلام مقدر ، إذ التقدير : واللّه ما هي بولد مقول فيه : نعم الولد ! ونعم السّير على عير مقول فيه : بئس العير ، والمعتمد في ذلك قول البصريين . هذا ويجب في فاعلهما أن يكون مقترنا بأل ، أو مضافا لمقترن به ، أو ضميرا مميزا بنكرة ، أو كلمة « ما » ؛ فالأول كما في قوله تعالى : نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ، * والثاني في نحو قوله تعالى : فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ والثالث في مثل قوله تعالى : بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ، والرابع كما في الآية الكريمة التي بين أيدينا . اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ : باعوا ، واستبدلوا . أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً : انظر الإعراب يتضح لك المعنى ، أما البغي ؛ فهو الظلم ، والاعتداء على حقّ غيرك ، وعواقبه ذميمة ، ومآل الباغي وخيم ، وعقابه أليم ؛ ولو أنّ جنوده بعدد الحصى ، والرّمل ، والتراب ، ورحم اللّه من يقول - وهو الشاهد رقم [ 239 ] من كتابنا : « فتح رب البرية » - : [ البسيط ] لا يأمن الدّهر ذو بغي ولو ملكا * جنوده ضاق عنها السّهل والجبل وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أنه قال : « لا تمكر ، ولا تعن ماكرا ، ولا تبغ ، ولا تعن باغيا ، ولا تنكث ، ولا تعن ناكثا » . وقال تعالى : وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ، وقال جلّ شأنه : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ ، وقال جلّ ذكره : فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وقال أبو بكر - رضي اللّه عنه - : ثلاث من كنّ فيه كن عليه ، وتلا الآيات الثلاث . وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أنه قال : « أسرع الخير ثوابا صلة الرّحم ، وأعجل الشر عقابا البغي ، واليمين الفاجرة » ، وعن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : أنه قال : « لو بغى جبل على جبل ؛ لاندكّ الباغي » . فأخذه بعض الشعراء ، فقال : [ البسيط ] يا صاحب البغي إنّ البغي مصرعة * فأربع فخير فعال المرء أعدله فلو بغى جبل يوما على جبل * لاندكّ منه أعاليه وأسفله وكان المأمون يتمثّل بهذين البيتين في أخيه الأمين حين ابتدأ بالبغي عليه ، قال الشّاعر الحكيم : [ مجزوء الكامل ] والبغي يصرع أهله * والظّلم مرتعه وخيم هذا ؛ والظلم أنواع كثيرة . انظر رسالة : ( الحج والحجاج في هذا الزمن ) بتأليفنا ، تجد ما يسرّك ، ويثلج صدرك ، وانظر الآية رقم [ 173 ] . أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ : من نعيم الدنيا من صحة ، ومال ، ومنصب ، وجاه ، والمراد به ما منّ اللّه به على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من النبوة ، والرّسالة ، والنّصر على الأعداء ، وجمع شمل العرب ، وتوحيد صفوفهم وكلمتهم ؛ إذ المراد بما بعد هذه الجملة بقوله تعالى : مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ : الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم .