الشيخ محمد علي طه الدرة
236
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
جَزاءُ . . . إلخ : فما عقوبة ؟ . خِزْيٌ : ذلّ ، وهوان ، وقد خزوا في الدنيا بقتل بني قريظة ، ونفي بني النّضير إلى الشام ، وضرب الجزية عليهم . والإخزاء : هو الإذلال ، قال ذو الإصبع العدواني شاعر جاهليّ : [ البسيط ] لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب * عنّي ولا أنت ديّاني فتخزوني وهذا هو الشاهد رقم [ 260 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » . ومنه قول حسان بن ثابت - رضي اللّه عنه - يخاطب به من شجّ وجه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة أحد : [ الطويل ] فأخزاك ربّي يا عتيب بن مالك * ولقّاك قبل الموت إحدى الصّواعق مددت يمينا للنّبيّ تعمّدا * ودمّيت فاه قطّعت بالبوارق وهو على هذا من الرّباعي من : أخزى ، يخزى ، وهو من الثلاثي : خزى ، يخزي بمعنى استحيا ، وخجل ، قال نهشل بن حري الدّارمي من قصيدة يرثي بها أخاه مالكا ، وكان قد قتل بصفّين مع الإمام عليّ كرّم اللّه وجهه : [ الطويل ] أخ ماجد لم يخزني يوم مشهد * كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه وهذا هو الشاهد رقم [ 324 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » ، وقال ذو الرّمة : [ البسيط ] خزاية أدركته بعد جولته * من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أي : يوم يقوم الناس من قبورهم للحساب ، والجزاء . يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ أي : في جهنّم يصلونها ، وبئس المصير . تنبيه : قال السّدي - رحمه اللّه تعالى - : إنّ اللّه تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة ألا يقتل بعضهم بعضا ، ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم ، وأيّما عبد ، أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل ، فاشتروه ، وأعتقوه ، وكانت قريظة حلفاء الأوس ، وبنو النّضير حلفاء الخزرج حين كان بينهما ما كان من العداوة والشّنآن ، فكان كلّ فريق يقاتل مع حلفائه ، فإذا غلبوا ؛ خرّبوا ديارهم ، وأخرجوهم منها ، ثم إذا أسر رجل من الفريقين ؛ جمعوا له مالا ، فيفدونه ، فعيّرتهم العرب ، وقالت لهم : كيف تقاتلونهم ، ثم تفدونهم ؟ ! فيقولون أمرنا أن نفديهم ، وحرم علينا قتالهم ، ولكنّا نستحيي أن تذل حلفاؤنا ، فذمّهم اللّه على هذه المناقضة ، انتهى . جمل بحروفه . قال القرطبي : قال علماؤنا : كان اللّه تعالى قد أخذ عليهم أربعة عهود : ترك القتل ، وترك الإخراج ، وترك المظاهرة ، وفداء أساراهم ، فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء ، فوبخهم اللّه على ذلك توبيخا يتلى ، فقال : أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ . قلت : ولعمر اللّه لقد أعرضنا نحن عن الجميع بالفتن ، فتظاهر بعضنا على بعض ، ليت بالمسلمين ، بل بالكافرين ، حتى تركنا إخواننا أذلاء صاغرين يجري عليهم حكم المشركين ، فلا حول ، ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ! ! انتهى .