الشيخ محمد علي طه الدرة
23
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
الإعراب : مالِكِ : يجوز فيه الجر ، والرفع ، والنصب كما في البسملة ، فالنصب على الحال ، أو على النداء ، وعلى المدح بفعل محذوف ، وعلى النعت ل رَبِّ على قول من نصبه ، قاله مكي . كما في الأسماء السابقة ، و مالِكِ مضاف و يَوْمِ مضاف إليه ، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله ، وفاعله مستتر فيه ، و يَوْمِ مضاف و الدِّينِ مضاف إليه ، هذا وقيل : إنّ إضافة مالِكِ ل يَوْمِ من إضافة اسم الفاعل للظرف ، ومفعوله محذوف ، التقدير : مالك الأمر كله يوم الدين . [ سورة الفاتحة ( 1 ) : آية 5 ] إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) الشرح : نَعْبُدُ : العبادة : غاية التذلل ، ولا يستحقّها إلا من له غاية الإفضال ، وهو اللّه تعالى ، ولذلك يحرم السجود لغير اللّه تعالى ، وقيل : العبودية أربعة : الوفاء بالعهود ، والرضا بالموجود ، والحفظ للحدود ، والصبر على المفقود . والاستعانة : طلب المعونة من اللّه تعالى على أمور الدنيا ، والآخرة ، وإنّما قدم : إِيَّاكَ نَعْبُدُ على ( إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) لأن العبادة للّه هي المقصودة ، والاستعانة وسيلة إليها ، والأصل أن يقدم ما هو الأهم ، فالأهم ، وقدم المفعول في الجملتين للاهتمام والحصر ؛ إذ المعنى : لا نعبد إلا إيّاك ، ولا نستعين إلا بك ، وهذا هو كمال الطاعة ، والدّين يرجع كلّه إلى هذين المعنيين ، فالأول : تبرؤ من الشرك ، والثاني : تبرؤ من الحول ، والقوة ، وتفويض إلى اللّه عز وجل ، هذا وأصل نَسْتَعِينُ : نستعون ، وإعلاله مثل إعلال الْمُسْتَقِيمَ في الآية التالية ، ومصدره : استعانة ، والأصل : استعوان ، فقل في إعلاله : اجتمع معنا حرف صحيح ساكن ، وحرف علّة متحرك ، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة ، فنقلت حركة الواو إلى العين ، وتحركت الواو بحسب الأصل ، وانفتح ما قبلها بحسب الحال ، فقلبت ألفا ، فاجتمع ألفان : الألف المنقلبة ، وألف الاستفعال ، فحذفت ألف الاستفعال لالتقاء الساكنين ، وعوض عنها التاء في الآخر ، وقد يستغنى عن هذه التاء في حال الإضافة ، منه قوله تعالى : رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ أي : إقامتها . والإعلال المتقدم إنما هو إعلال بالنقل ، والقلب ، والحذف معا ، ومثل هذا المصدر قولك : استعاذ استعاذة ، واستقام استقامة . والضمير بالفعلين إنما هو لجماعة المتكلّمين ، والمراد : جميع الموحّدين المصلّين ، ففيه إيحاء إلى أداء الصلاة في الجماعة ، يدرج المصلي عبادته في تضاعيف صلاة إخوانه المؤمنين لعلّها تقبل ببركتهم ، فكأنّ المصلّي يقول : إلهي ! عبادتي مشوبة بأنواع التقصير ، لكنها مخلوطة بعبادة جميع العابدين ، فاقبلها مني ببركة خلّص عبادك المؤمنين ، فيا خسارة المهملين لصلاة الجماعة ، كيف لا والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « صلاة الرجل في الجماعة تضعّف على صلاته في بيته