الشيخ محمد علي طه الدرة
184
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
بِغَيْرِ الْحَقِّ : معلوم : أنّه لا يقتل نبيّ بحقّ ، ولكن يقتل بالدّفاع عن الحقّ ، فصرح بقوله : بِغَيْرِ الْحَقِّ للتشنيع عليهم ، فلم يأت نبيّ قط بشيء يوجب قتله . فإن قيل : كيف جاز أن يخلّى بين الكافرين ، وقتل الأنبياء ؟ ! قيل : ذلك كرامة لهم ، وزيادة في علوّ مقاماتهم ، كمثل من يقتل في سبيل اللّه من المؤمنين ، وليس ذلك خذلانا لهم . قال ابن عباس ، والحسن - رضي اللّه عنهم - : لم يقتل نبيّ قط من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال ، وكلّ من أمر بقتال ؛ نصره . ومعلوم : أنّ نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم أمر بقتال ، فنصر بذلك . ذلِكَ بِما عَصَوْا : الإشارة إلى ما تقدّم ، والعصيان : خلاف الطاعة . وَكانُوا يَعْتَدُونَ يتجاوزون حدود اللّه ، فينتهكونها . ويؤخذ من هذا : أن صغار الذنوب يجرّ إلى كبارها ، كما أنّ صغار الطّاعات يجرّ إلى كبارها ، فاليهود جرّهم ارتكاب معصية اللّه إلى عظائم الأمور ؛ حيث قتلوا الأنبياء ، واستحلوا المحرّمات ، وجرّهم ذلك أيضا إلى الكفر بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وتحريف التوراة ، وغير ذلك ممّا ذكره القرآن الكريم عنهم . هذا ؛ و ( نبيّون ) جمع نبي ، يقرأ بالهمز ، وبدونه ، وهو مأخوذ من النبأ ، وهو الخبر ؛ لأنّ النبيّ يخبر عن ربه . وقيل : بل مأخوذ من النّبوة ، وهو الارتفاع ؛ لأنّ رتبة النبيّ ارتفعت عن رتب الخلق . هذا ؛ والنبيّ غير الرسول ، بدليل عطفه عليه في قوله تعالى في سورة الحجّ رقم [ 52 ] : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ . . . إلخ . وقيل : هو أعم منه ؛ لأنّ كل رسول نبيّ ، وليس كلّ نبيّ رسولا ، أمّا تعريفهما ؛ فالرّسول : ذكر ، حرّ ، من بني آدم ، سليم عن منفّر طبعا ، أوحي إليه بشرع يعمل به ، ويؤمر بتبليغه ، فإن لم يؤمر بالتبليغ ؛ فهو نبيّ ، وليس رسولا ، فنبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم صار نبيّا بنزول سورة ( اقرأ ) عليه ، وبعد ستة أشهر من نزولها صار رسولا ، بنزول صدر سورة ( المدثر ) عليه . هذا ؛ ويروى : أنّ أبا ذرّ - رضي اللّه عنه - سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن عدد الأنبياء ، فقال : « مئة ألف ، وأربعة وعشرون ألفا » قال : كم عدد الرسل منهم ؟ قال : « ثلاثمئة وثلاثة عشر ، أولهم آدم ، وآخرهم نبيكم » . أخرجه الإمام أحمد ، وفي بعض ألفاظه اختلاف بسيط ، هذا : وأربعة منهم من العرب ، هم : هود ، وصالح ، وشعيب ، ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وإسماعيل بن إبراهيم مستعرب لسكناه مكة مع قبيلة جرهم ، وتزوّجه بامرأتين منهم . والمذكور من الرّسل في القرآن بأسمائهم خمسة وعشرون ، ومعرفتهم بأسمائهم واجبة على كلّ مسلم ، ومسلمة من المكلّفين ، وأعني بمعرفتهم : أنه لو عرض اسم رسول منهم على مسلم ، فيجب عليه أن يعرف أهو من المرسلين ، أم لا ؟ هذا وقال اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم في سورة ( النساء ) رقم [ 164 ] : وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وقال تعالى في سورة ( غافر ) رقم [ 78 ] : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ .