الشيخ محمد علي طه الدرة
177
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
بِيَمِينِكَ يا مُوسى ( 17 ) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى ، وذكر كثيرون للعصا منافع كثيرة ، منهم ابن عباس - رضي اللّه عنهما - ، فقال : إذا انتهيت إلى رأس بئر ، فقصر الرّشاء ؛ وصلته بالعصا . وإذا أصابني حرّ الشمس غرزتها في الأرض ، وألقيت عليها ما يظلّني . وإذا خفت شيئا من هوامّ الأرض قتلته بها . وإذا مشيت ؛ ألقيتها على عاتقي ، وعلّقت عليها القوس ، والكنانة ، والمخلاة ، وأقاتل بها السّباع عن الغنم . هذا ومن فوائد العصا : أنّ الرّجل إذا كبر ، وشاخ يعتمد عليها في مشيته ، قال عمرو بن أحمد الباهليّ ، وهو الشاهد رقم [ 988 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » : [ البسيط ] وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني * ثوبي فأنهض نهض الشّارب السّكر وكنت أمشي على رجلين معتدلا * فصرت أمشي على أخرى من الشّجر ومن فوائدها : التنبيه على الانتقال من هذه الدّار ، كما قيل لبعض الزّهاد : مالك تمشي على العصا ، ولست بكبير ، ولا مريض ؟ قال : إنّي أعلم أنّي مسافر ، وأنّها دار قلعة ، وأنّ العصا آلة السّفر ، فأخذه بعض الشّعراء ، فقال : [ الطويل ] حملت العصا لا الضّعف أوجب حملها * عليّ ولا أني تحنيت من كبر ولكنّني ألزمت نفسي حملها * لأعلمها أنّ المقيم على سفر هذا وأما العين ؛ فإنها تطلق على الماء الجاري ، والنابع من الأرض ، وجمعها في القلّة : أعين ، وفي الكثرة : عيون ، قال تعالى في سورة ( الذاريات ) وغيرها : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وتجمع أيضا على : أعيان ، وهذا غير مشهور ، وقليل الاستعمال ، كما تطلق على الجاسوس ، كما في قولك : بث الأمير عيونه في المدينة ، أي : جواسيسه ، كما تطلق على ذات الشخص ، كما في قولك : جاء خالد عينه ، وتطلق على الشّمس . وعين الشيء : خياره . وتطلق على النّقد من ذهب ، وغيره ، وإليك قول الشاعر : [ البسيط ] واستخدموا العين منّي وهي جارية * وقد سمحت بها أيام وصلهمو فالمراد بالعين : نفسه وذاته ، والمراد بجارية : عينه الباصرة ، التي تجري بالدمع ، والمراد بقوله ( بها ) نقد الذهب ، وهذا يسمى في فن البديع استخداما ، وتطلق العين على أشياء كثيرة أيضا ، وعلى المطر الهاطل من السحاب ، قال عنترة في معلقته رقم [ 29 ] وهو الشاهد رقم [ 359 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » : [ الكامل ] جادت عليه كلّ عين ثرّة * فتركن كلّ حديقة كالدّرهم هذا ؛ وأعيان القوم : أشرافهم ، وبنو الأعيان : الإخوة من الأبوين . تأمل ، وتدبر ، وربك أعلم .