الشيخ محمد علي طه الدرة
174
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
وكان النّخعي ، والحسن ، والشعبي - رحمهم اللّه - يأتون بالحديث على المعاني . وقال الحسن : إذا أصبت المعنى ؛ أجزأك . وقال الثوريّ - رحمه اللّه تعالى - : إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس . واتّفق العلماء على جواز نقل الشرع للعجم بلسانهم وترجمته لهم ، وذلك هو النقل بالمعنى ، وقد فعل اللّه ذلك في كتابه فيما قص علينا من أنباء ما قد سلف ، فقص قصصا ذكر بعضها في مواضع بألفاظ مختلفة ، والمعنى واحد ، ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربيّ ، وهو مخالف لها في التقديم ، والتأخير ، والحذف ، والإلغاء ، والزيادة ، والنقصان ، وإذا جاز إبدال العربية بالعجمية ؛ فلأن يجوز بالعربية أولى . احتجّ بهذا المعنى الشافعي ، والحسن . وهو الصّحيح في الباب . انتهى قرطبي رحمه اللّه تعالى . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 60 ] وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 60 ) الشرح : وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ : طلب لهم السّقيا ، فالسين ، والتاء للطّلب . وكان ذلك لمّا عطشوا في التيه . والاستسقاء إنّما يكون عند عدم الماء ، وحبس المطر ، وإذا كان ذلك فالغاية منه إظهار العبوديّة ، والتذلّل ، والمسكنة ، والفقر مع التّوبة النّصوح ، وقد استسقى نبيّنا ، وحبيبنا صلّى اللّه عليه وسلّم ، فخرج إلى المصلّى متواضعا ، متذلّلا ، متخشّعا ، متوسّلا ، متضرعا ، وحسبك به ، وكيف بنا ولا توبة معنا إلا العناد ، ومخالفة ربّ العباد ؟ ! فأنّى نسقى ؟ ! لكن قال صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث ابن عمر - رضي اللّه عنهما - : « ولم يمنعوا زكاة أموالهم ؛ إلّا منعوا القطر من السّماء ، ولولا البهائم ؛ لم يمطروا » . فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ : العصا معروف ، وهو اسم مقصور مؤنث ، ألفه منقلبة عن واو ، وأصله : عصو ، وتثنيته : عصوان ، وعصوين ، ومقتضى القياس في جمعها عصوّ ، فأبدل من الواو الثانية ياء ؛ لأنها طرف ليس بينها وبين الضمة إلا حرف ساكن ، فصار ، عصوي ، فقل في إعلاله : اجتمعت الواو والياء ، والأول ساكن ، فقلبت الواو ياء فصار : ( عصي ) ثم قلبت ضمة العين كسرة لمناسبة الياء ، قال تعالى في سورة ( طه ) رقم [ 66 ] : قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى وفي المثل : ( العصا من العصية ) وقولهم : ألقى عصاه ؛ أي : أقام ، وترك الأسفار ، وهو مثل ، قال معتمر بن حمار البارقي : [ الطويل ] فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى * كما قرّ عينا بالإياب المسافر وقد يعبر بالعصا عن الاجتماع ، والافتراق ، ومنه يقال في الخوارج : شقّوا عصا المسلمين ؛ أي : اجتماعهم ، وائتلافهم . وانشقت العصا ؛ أي : وقع الخلاف . قال الشاعر - وهو الشاهد رقم [ 967 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » ، ونسب لجرير - : [ الطويل ]