الشيخ محمد علي طه الدرة
175
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
إذا كانت الهيجاء وانشقّت العصا * فحسبك والضّحّاك سيف مهنّد وقولهم : لا ترفع عصاك عن أهلك ، يراد به الأدب . هذا ؛ وكانت من آس الجنّة ، طولها عشرة أذرع على طول موسى ، ولها شعبتان تتّقدان في الظّلمة نورا ، حملها آدم معه من الجنة ، فتوارثها الأنبياء ؛ حتى وصلت إلى شعيب ، وأعطاها لموسى - على نبيّنا ، وعليهم جميعا ألف صلاة ، وألف سلام - لما استأجره لرعاية الغنم . الْحَجَرَ : « الحجر » معروف ، وقياس جمعه في القلّة : أحجار ، وفي الكثرة : حجار ، وحجارة نادر ، وهو كقولنا : جمل ، وجمالة ، وذكر ، وذكارة . كذا قال ابن فارس ، والجوهري . قال القرطبي - رحمه اللّه تعالى - : وفي القرآن : فَهِيَ كَالْحِجارَةِ ، وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ ، قُلْ كُونُوا حِجارَةً ، تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ ، وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً فكيف يكون نادرا ؟ ! إلا أن يراد : أنه نادر في القياس ، كثير في الاستعمال فصيح ، واللّه أعلم . قال وهب بن منبه - رحمه اللّه تعالى - : لم يكن حجرا معيّنا ، بل كان موسى يضرب أي حجر كان ، فينفجر عيونا ، وهذا أعظم في الآية ، والإعجاز . وقيل كان حجرا معيّنا ، كان موسى يضعه في مخلاته ، فإذا احتاجوا إلى الماء ؛ وضعه ، وضربه بعصاه ، فيتفجّر الماء ، فأخذوا كفايتهم منه ، فإذا ضربه ثانية ؛ فيمسك الماء . قال سعيد بن جبير - رحمه اللّه تعالى - : وهو الذي فرّ بثوبه حين اغتسل في النّهر ، فأتاه جبريل عليه السّلام حين فرّ بثوبه . وقال : إنّ اللّه يأمرك أن ترفع هذا الحجر معك ، فوضعه في مخلاته ، وحفظه ، وكان من رخام كرأس الرّجل مربّع ، وكان إذا ضربه تتفجّر منه اثنتا عشرة عينا بعدد القبائل المتفرعة عن أولاد يعقوب عليه السّلام ، من كل وجه ثلاث عيون ، وكلّ قبيلة تعرف عينها ، لا يشركها فيها غيرها . والحكمة من ذلك : أنّ قوم موسى عليه السّلام كانوا كثيرين ، وكانوا في الصحراء ، والناس إذا اشتدت الحاجة إلى الماء ، أو إلى أي شيء من ضرورات الحياة ، ثم وجدوه ، فإنّه يقع بينهم تشاجر ، وتنازع ، فأكمل اللّه هذه النعمة عليهم بأن عيّن لكلّ سبط منهم ماء معينا على عددهم ؛ لأنهم كانوا اثني عشر سبطا ، وهم ذرية أبناء يعقوب الاثني عشر ، وهو فحوى قوله تعالى : فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ . هذا ؛ وفي سورة الأعراف رقم [ 160 ] : فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ . . . إلخ . قال المفسرون : انفجرت ، وانبجست بمعنى واحد . وقيل : انبجست ؛ أي : عرقت ، وانفجرت ؛ أي : سالت . قال القرطبي وغيره : ما أوتي نبيّنا ، وحبيبنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من نبع الماء ، وانفجاره من يده ، ومن بين أصابعه أعظم في المعجزة ، فإنا نشاهد الماء يتفجّر من الأحجار آناء اللّيل ، والنّهار ، ومعجزة نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ، لم تكن لنبيّ قبله ، يخرج الماء من بين لحم ودم ، روى الأئمة الثقات ، والفقهاء الأثبات عن جمع من الصحابة ، قالوا : كنّا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فعطش الناس ؛ حتّى كادوا يهلكون ، فطلب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم شيئا من الماء ، فأتي بوعاء صغير ، كالإجّانة ، فأدخل يده فيه ، فأخذ