الشيخ محمد علي طه الدرة

154

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

و « مُوسى » : هو في الأصل : « موشى » بالشين ، وهو اسم أعجمي ، لا ينصرف للعلمية ، والعجمة : مركب من اسمين : الماء ، والشجر ، فالماء يقال له في العبرانية : « مو » والشجر يقال له : « شا » فعرّبته العرب ، وقالوا : « مُوسى » بالسين ، وسبب تسميته بذلك : أنّ امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء ، والشجر لما ألقته أمّه فيه ، كما هو مذكور في سورة ( طه ) و ( القصص ) . وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 40 ] . أَرْبَعِينَ لَيْلَةً : خص الليالي بالذكر دون الأيام ؛ لأن الليل أسبق من النّهار ، فهي قبله في المرتبة ، ولذلك وقع بها التاريخ ، فالليالي أول الشهور ، والأيام تبع لها . وقال النقاش : في هذه الآية إشارة إلى صلة الصّوم ؛ لأنه لو ذكر الأيام ؛ لأمكن أن يعتقد أنه كان يفطر باللّيل ، فلما نصّ على الليالي اقتضت قوة الكلام : أنه عليه السّلام واصل أربعين يوما بلياليها ، قال ابن عطية : سمعت أبي يقول : سمعت الزاهد الإمام الواعظ أبا الفضل الجوهري - رحمه اللّه - يعظ الناس في الخلوة باللّه ، والدنوّ منه في الصّلاة ونحوها ، وأنّ ذلك يشغل عن كلّ طعام ، وشراب ، ويقول : أين حال موسى في القرب منه ، ووصل ثمانين من الدّهر من قوله حين سار للخضر لفتاه في بعض يوم : آتِنا غَداءَنا رقم [ 62 ] من سورة ( الكهف ) . ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ أي : اتخذتموه من بعد ذهابه إلى جبل الطور إلها من بعد موسى ، وأصل الفعل : « ائتخذتم » من : الأخذ ، ووزنه افتعلتم ، سهّلت الهمزة الثانية لامتناع همزتين ، فصار ( إيتخذتم ) فاضطربت الياء في التّصريف ، جاءت ألفا في ( ياتخذ ) وواوا في ( موتخذ ) فبدلت بحرف ثابت من جنس ما بعدها ، وهي التاء ، ثمّ أدغمت التاء في التاء ، ثم اجتلبت ألف الوصل للنطق بها ، وقد يستغنى عنها إذا كان معنى الكلام التّقرير كقوله تعالى : قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً الآية رقم [ 80 ] الآتية ، فاستغنى عن ألف الوصل بألف التقرير ، ومنه قوله ذي الرّمّة : [ البسيط ] أستحدث الرّكب عن أشياعهم خبرا * أم راجع القلب من أطرابه طرب ومثله قوله تعالى في سورة ( مريم ) رقم [ 78 ] : أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً وقوله تعالى في سورة ( الصافات ) رقم [ 153 ] : أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ وقوله تعالى في سورة ( ص ) رقم [ 75 ] : أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ وقوله تعالى في سورة ( المنافقون ) رقم [ 6 ] : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ انظر شرح هذه الآيات في محالّها . الْعِجْلَ المراد به : الذي صنعه لهم السامريّ من ذهب ، كما سترى تفصيله في سورة طه . هذا والأربعون ليلة في قول المفسرين هي : ذو القعدة ، وعشر من ذي الحجة ، وكان ذلك بعد أن أنجاهم اللّه من كيد فرعون ، وغرقه في البحر ، وسأله قومه أن يأتيهم بكتاب من عند اللّه ، فذهب موسى لمناجاة ربه على جبل الطور ، وليطلب منه الكتاب الذي وعد قومه به ، فصنع لهم السامريّ العجل ، قال تعالى في سورة ( الأعراف ) رقم [ 148 ] : وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ