الشيخ محمد علي طه الدرة
151
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
والمعروف : أنّ يعقوب دخل مصر في ستّة وسبعين نفسا من ولده ، وولد ولده ، فأنمى عددهم وبارك في ذرّيته ؛ حتى خرجوا إلى البحر هربا من فرعون ، وهم ستمئة ألف . فانطلق موسى بقومه ؛ حتى انتهى إلى البحر فقال له : أفرق ، فقال له البحر : لقد استكبرت يا موسى ! وهل فرقت لأحد من ولد آدم فأفرق لك ؟ ! وقال بنو إسرائيل لموسى لمّا أدركهم فرعون بجنوده : أين المخرج ، والمخلص ، والبحر أمامنا ، وفرعون وراءنا ، وقد كنا نلقى من فرعون البلاء العظيم . فأوحى اللّه إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ، فضربه ، فانفلق ، فكان كل فرق كالطود العظيم ، وكشف اللّه عن وجه الأرض ، وأيبس لهم البحر ، فلحق فرعون وكان على حصان أدهم ، وخلفه عسكره ، وصار في البحر اثنا عشر طريقا ، لكل سبط طريق يتراءون وذلك أن أطواد الماء صار فيها طيقان وشبابيك ، يرى منها بعضهم بعضا ، فلمّا خرج قوم موسى من البحر ، وصار قوم فرعون كلّهم داخل البحر ؛ التطم عليهم البحر ، فأغرقهم ، وألجم فرعون الغرق ، فقال : آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ فدسّ جبريل عليه السّلام في فمه طين البحر . فقد روى الترمذيّ عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لمّا أغرق اللّه فرعون ، قال : آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ، فقال جبريل عليه السّلام : يا محمد ! لو رأيتني ، وأنا آخذ من أوحال البحر ، وأدسّه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة » . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن ، وانظر ما ذكرته في سورة ( طه ) و ( الشعراء ) وغيرهما . قال القرطبيّ - رحمه اللّه تعالى - : ذكر اللّه الإنجاء ، والإغراق ، ولم يذكر اليوم الذي كان ذلك فيه ، فقد روى مسلم - رحمه اللّه تعالى - عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قدم المدينة ، فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء ، فقال لهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما هذا اليوم الذي تصومونه ؟ » فقالوا : هذا يوم عظيم ، أنجى اللّه فيه موسى ، وقومه ، وأغرق فرعون ، وقومه ، فصامه موسى شكرا ، فنحن نصومه . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « نحن أحقّ ، وأولى بموسى منكم » فصامه ، وأمر بصيامه . وصيامه صلّى اللّه عليه وسلّم ليوم عاشوراء ليس اقتداء بموسى عليه السّلام ، لما روته السيدة عائشة - رضي اللّه عنها - قالت : كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يصومه في الجاهلية ، فلما قدم إلى المدينة صامه ، وأمر بصيامه ، فلما فرض رمضان ؛ ترك صيام يوم عاشوراء ، فمن شاء صامه ومن شاء تركه . أخرجه البخاريّ ، ومسلم . ولا يقال : إنّ قريشا صامته بإخبار اليهود لها ؛ لأنّ اليهود كانوا أهل علم . وصامه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمكّة قبل النبوة ، وبعدها ، ولمّا هاجر إلى المدينة ، ووجد اليهود يصومونه ، قال : « نحن أحقّ ، وأولى بموسى منكم » . فصامه اتباعا لموسى عليه الصلاة والسّلام ، لأن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أمر بالاقتداء بمن قبله من الرّسل بالتّوحيد ، وبأصول الدّين ، التي لا تختلف من شريعة إلى شريعة ، وأما فروع الشرائع فالاختلاف واقع فيها ، باختلاف الأزمنة . وهذا واضح لا خفاء فيه ، انظر ما ذكرته في سورة ( الأنعام ) رقم [ 90 ] تجد ما يسرك .