الشيخ محمد علي طه الدرة
150
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
التوبيخ ، والتقريع الموجّه إليهم بما فعل آباؤهم من عبادة العجل ، ونقض العهود ، وخلف الوعود ، وغير ذلك من سيّئ الأعمال ، وفاحش الفعال ، والأقوال . هذا وذكر الطّبريّ : أنّ موسى - على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام - أوحي إليه أن يسري من مصر ببني إسرائيل ، كما قال تعالى في سورة طه : أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فأمرهم موسى أن يستعيروا الحلي ، والمتاع من نساء القبط ، - وأحل اللّه لهم ذلك ؛ لأنهم حربيّون ، ويجوز أخذ مال الحربي بأية طريقة كانت - فسرى بهم موسى من أول الليل ، فأعلم فرعون بذلك . فقال : لا يتبعهم أحد حتى تصيح الدّيكة ، فلم يصح تلك الليلة ديك ، وأمات اللّه تلك الليلة كثيرا من أبناء القبط ، فاشتغلوا في الدّفن ، وخرجوا في صباح تلك الليلة مشرقين ، كما قال تعالى في سورة الشعراء : فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ وذهب موسى إلى ناحية البحر حتى بلغه ، وكانت عدّة بني إسرائيل نيفا على ستمئة ألف ، وكانت عدّة قوم فرعون ألف ألف ومئتي ألف . هذا وقال الخازن - رحمه اللّه تعالى - : فلمّا أرادوا السير ؛ ضرب عليهم التيه ، فلم يدروا أين يذهبون ، فدعا موسى مشيخة بني إسرائيل ، وسألهم عن ذلك ، فقالوا : إن يوسف عليه السّلام لمّا حضره الموت أخذ عهدا على إخوته ، وعلى بنيهم أن لا يخرجوا من مصر حتى يخرجوه معهم ، فلذلك انسدّ عليهم الطريق ، فسألهم عن موضع قبره ، فلم يعلموه ، فجعل ينادي : أنشد اللّه كلّ من يعلم أين قبر يوسف إلا أخبرني ، فسمعته عجوز منهم . فقالت له : أرأيتك إن دللتك على قبره ، أتعطيني كل ما أسألك ؟ فأبى عليها . وقال : حتى أسأل ربي ، فأمره اللّه أن يعطيها سؤالها . فقالت : إني عجوز لا أستطيع المشي ، فاحملني معك ، وأخرجني من مصر في هذه الدنيا ، وأما في الآخرة ، فأسألك أن لا تنزل غرفة من غرف الجنة إلا أنزلتني معك ! قال : نعم . قالت : إنّه في النيل في جوف الماء ، فادع اللّه أن يحسر عنه الماء ، فدعا اللّه ، فحسر عنه الماء ، ودعا اللّه أن يؤخّر عنه طلوع الفجر ؛ حتى يفرغ من أمر يوسف ، ثم حفر موسى ذلك الموقع ، فاستخرجه وهو في صندوق من مرمر ، وحمله حتى دفنه بفلسطين ، بجوار أبيه يعقوب ، وجدّه إسحاق ، وإبراهيم ، على نبينا ، وعليهم ألف صلاة وألف سلام . انتهى خازن بتصرف . والمحفوظ : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان جالسا يقسّم غنائم هوازن في وادي حنين ، فوقف عليه رجل من الناس ، فقال : إنّ لي عندك موعدا يا رسول اللّه ! قال : « صدقت ، فاحتكم ما شئت » . فقال : أحتكم ثمانين ضائنة وراعيها . قال : « هي لك ، وقد احتكمت يسيرا ، ولصاحبة موسى الّتي دلّته على عظام يوسف ؛ كانت أحزم منك ، وأجزل حكما منك حين حكمها موسى . فقالت : حكمي أن تردني شابة ، وأن أدخل معك الجنّة ، فقال لها : لك ذلك » . وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 101 ] من سورة ( يوسف ) عليه السّلام .