الشيخ محمد علي طه الدرة

15

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

[ سورة الفاتحة ( 1 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 1 ) الشرح : قال القرطبي - رحمه اللّه تعالى - قال العلماء : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قسم من ربنا ، أنزله عند رأس كل سورة ، يقسم لعباده : إنّ هذا الذي وضعت لكم يا عبادي في هذه السورة حقّ ، وإني أوفي لكم بجميع ما ضمنت هذه السورة من وعدي ، ولطفي ، وبرّي . ولم أره لغيره ، وليس فيها معنى القسم ، والبسملة مما أنزله اللّه تعالى في كتابنا خصوصا بعد سليمان ، علي نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام ، وقد تضمّنت جميع الشرع ؛ لأنّها تدل على الذّات وعلى الصّفات ، لذا فالقول : إن القرآن تضمّن كل ما في الكتب السابقة من أمور الدنيا والآخرة ، والفاتحة تضمّنت كل ما في القرآن الكريم ، والبسملة تضمّنت كل ما في الفاتحة ، وجميع ذلك في الباء من البسملة ، وكأنّ اللّه عز وجل يقول : بي كان ، وما يكون ، وما سيكون في الدنيا والآخرة . واللّه أعلم بمراده ، وأسرار كلامه . قال سعيد بن أبي سكينة : بلغني أنّ عليّ بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - ، نظر إلى رجل يكتب : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فقال له : جوّدها ، فإن رجلا جوّدها ، فغفر له ، وقال سعيد أيضا : وبلغني أنّ رجلا نظر إلى قرطاس فيه : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فقبّله ، ووضعه على عينيه ، فغفر له . ومن هذا المعنى قصة بشر الحافي ، فإنّه لمّا رفع الرقعة التي فيها اسم اللّه من مكان ممتهن ، وطيّبها بمسك بعد أن نظّفها ، وأزال عنها الأقذار ؛ طيّب اللّه اسمه ؛ أي : رفع ذكره بين الناس ، ويحكى : أنه قيل له في المنام : كما طيبت اسمنا لنطيبنّ اسمك . وروى النّسائيّ عن أبي المليح عن ردف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا عثرت بك الدابّة ؛ فلا تقل : تعس الشّيطان ، فإنه يتعاظم حتى يصير مثل البيت ، ويقول : بقوتي صنعته ، ولكن قل : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، فإنه يتصاغر حتّى يصير مثل الذّباب » . وروى وكيع بن الأعمش ، عن أبي وائل : عن عبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنه - قال : من أراد أن ينجيه اللّه من الزبانية التسعة عشر ، فليقرأ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فيجعل اللّه تعالى له بكل حرف منها جنّة من كل واحد ، فالبسملة تسعة عشر حرفا على عدد ملائكة أهل النار الذين قال اللّه فيهم عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ وهم يقولون في كل أفعالهم : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فمن هنالك هي قوتهم ، وببسم اللّه استضلعوا . هذا وكسرت الباء الجارة في البسملة وغيرها ، لتكون حركتها مشبهة لعملها ، وقيل : كسرت ليفرق بين ما يخفض ، ولا يكون إلا حرفا ، نحو الباء ، واللام الجارة ، وبين ما يخفض ، وقد يكون اسما ، نحو الكاف في قول العجاج : [ الرجز ] بيض ثلاث كنعاج جمّ * يضحكن عن كالبرد المنهمّ