الشيخ محمد علي طه الدرة
137
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
أَ فَلا : الهمزة : حرف استفهام ، وتقريع ، وتأنيب . الفاء : حرف استئناف ، أو حرف عطف . تَعْقِلُونَ : فعل مضارع وفاعله ، والجملة الفعلية معطوفة على جملة مقدرة ، التقدير : أطبع على قلوبكم ، فلا تعقلون ؟ ! والكلام كلّه معطوف على ما قبله ، أو هو مستأنف ، ولا محل له على الاعتبارين . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 45 ] وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ ( 45 ) الشرح : وَاسْتَعِينُوا : اطلبوا ، والتمسوا المعونة على أموركم الدّينية ، والدنيويّة . وانظر الاستعانة في سورة الفاتحة ، هذا وقيل : إنّ المخاطبين بهذا هم المؤمنون ؛ لأن من ينكر الصلاة ، والصبر على دين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لا يقال له : استعن بالصّبر ، والصلاة ، فلا جرم وجب صرفه إلى من صدّق محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم وآمن به . وقيل : يحتمل الخطاب لبني إسرائيل ؛ لأن صرف الخطاب إلى غيرهم يوجب تفكيك نظم القرآن ، ولأنّ اليهود لم ينكروا أصل الصّلاة ، والصبر ، لكنّ صلاتهم غير صلاة المؤمنين ، فعلى هذا القول : إن اللّه تعالى لمّا أمرهم بالإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم والتزام شريعته ، وترك الرياسة ، وحبّ الجاه ، والمال ؛ قال لهم : ( اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ) . انتهى . وقيل : إنّ المراد بالصّبر : الصوم . هذا و ( الصبر ) : حبس النفس عن الجزع عند المصيبة ، وحبس اللّسان عن الشكوى ، وحبس الجوارح عن التّشويش ، وهو مرّ المذاق يكاد لا يطاق ، إلا أنه حلو العواقب ، يفوز صاحبه بأسنى المطالب ، كما قال القائل : [ البسيط ] الصّبر مثل اسمه مرّ مذاقته * لكن عواقبه أحلى من العسل وبالجملة : فنفع الصبر مشهور ، والحضّ عليه في الكتاب والسنّة مقرر مسطور ، وهو على ثلاثة أنواع : صبر على الطاعة ، وصبر عن المعصية ، وصبر على البلاء . ولا تنس أنّ من أسماء اللّه تعالى ( الصّبور ) ؛ وفسّر بالذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه . هذا ؛ وقد قال تعالى في سورة ( الرّعد ) رقم [ 22 ] : وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ أي : طلبا لمرضاته ، وهذا الصبر المحمود ، وهو أن يكون الإنسان صابرا لوجه اللّه تعالى ، محتسبا أجره على اللّه ، فهذا هو الصبر الذي يدخل صاحبه رضوان اللّه ، وأما صبر العبد ؛ ليقال : ما أعظم صبره ، وما أشد قوته على تحمل النوائب ! أو يصبر ؛ لئلا يعاب على الجزع ، أو يصبر ؛ لئلا تشمت به الأعداء ، فهذا كلّه مذموم ، لا ينيل صاحبه الدّرجات العلى ، والمقام الرفيع عند اللّه ، وقد يعرضه لشديد غضب اللّه ، ونقمته . هذا ؛ والصبر على أنواع : الصّبر عن المعصية ، فله ثلاثمئة درجة ، والصبر على الطاعة ، فله ستمئة درجة ، والصبر على البلاء ، فله تسعمئة درجة ، لكن ذلك لا يكون إلا بالصبر عند الصدمة