الشيخ محمد علي طه الدرة
138
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
الأولى ، كما روى البخاري عن أنس - رضي اللّه عنه - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأنه قال : « إنّما الصّبر عند الصّدمة الأولى » . أخرجه مسلم بأتم منه ، وقال الأستاذ أبو علي : الصّبر حدّه : ألا تعترض على التقدير ، فأما إظهار البلوى على غير وجه الشّكوى ؛ فلا ينافي الصبر ، قال تعالى في قصة أيوب - على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام - : إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ وبعد أخبر عنه : أنه قال : أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ . ثمّ اعلم : أن الصبر ذكر في القرآن الكريم في خمسة وتسعين موضعا ، ومن أجمعها الآية رقم [ 155 ] الآتية ، وما بعدها : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ ، ومن آنفها قوله تعالى في سورة ( ص ) في حقّ أيوب - على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام - : إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً حيث قرن هاء الصبر بنون العظمة ، ومن أبهجها قوله تعالى في سورة ( الرّعد ) في الآيتين [ 23 و 24 ] : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ( 23 ) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ ومن أعظمها بشارة قوله تعالى في سورة ( الزّمر ) رقم [ 10 ] إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ فائدة : قال اللّه تعالى : فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا ، وقال جل ذكره : فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ، وقال تعالى جل شأنه : وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا . قالوا : الصبر الجميل هو الذي لا شكاية معه ، والصفح الجميل هو الذي لا عقاب معه ، والهجر الجميل هو الذي لا أذية معه . وَالصَّلاةِ : أفردها اللّه بالذكر من بين العبادات تعظيما لشأنها ؛ لأنها جامعة لأنواع العبادات النّفسانية ، والبدنيّة ، من الطهارة ، وستر العورة ، وصرف المال فيها ، والتوجّه إلى الكعبة ، والعكوف للعبادة ، وإظهار الخشوع بالجوارح ، وإخلاص النية بالقلب ، ومجاهدة الشيطان ، ومناجاة الحق ، وقراءة القرآن ، والتكلّم بالشهادتين ، وكف النفس عن شهوتي الفرج ، والبطن . انتهى . جمل نقلا من كرخي . وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا حزبه أمر ؛ فزع إلى الصلاة ، وكان إذا سمع بلالا ينادي : إلى الصّلاة ؛ نهض مسرعا ، وسعى متشوقا ، وهو يقول : « أرحنا بها يا بلال » . قالت السيدة عائشة - رضي اللّه عنها - : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحدّثنا ، ونحدّثه حتى إذا جاء وقت الصلاة ؛ قام كأنه لا يعرفنا ، ولا نعرفه ؛ لأنّه صلّى اللّه عليه وسلّم أحبّ الصلاة من كلّ قلبه ؛ حتى استولت على لبّه ، فكان دائما مشغولا بها ، كلما فرغ منها ؛ عاد إليها ، لم ينسها في جهاده ، ولم يتركها في مرضه ، فلمّا جاء الأجل ؛ أخذ يذكرها ، ويحثّ أصحابه على فعلها ، وسمع في حالة الغرغرة يقول : « أوصيكم بالصّلاة ، أوصيكم بالصّلاة ، أوصيكم بالصّلاة » . حتى خرجت روحه إلى مولاه ، فكان آخر كلامه في الدّنيا الوصية بالصّلاة . وعن عبد اللّه بن عمر - رضي اللّه عنهما - قال : ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الصلاة يوما ، فقال : « من حافظ عليها ؛ كانت له نورا ، ونجاة يوم القيامة ، ومن لم يحافظ عليها ؛ لم يكن له نور ، ولا برهان ، ولا نجاة ، وحشر يوم القيامة مع فرعون ، وهامان ، وقارون ، وأبيّ بن خلف » .