الشيخ محمد علي طه الدرة

117

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

ب مُسْتَقَرٌّ بعدهما الذي هو مبتدأ ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها ، فهي في محل نصب حال مثلها ، وقيل : مستأنفة ، والعطف أقوى . وَمَتاعٌ : معطوف على ما قبله عطف مفرد على مفرد إِلى حِينٍ : متعلقان ب ( مَتاعٌ ) ، أو صفة له ، التقدير : ممتدّ إلى حين . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 37 ] فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 37 ) الشرح : فَتَلَقَّى . . . إلخ ، استقبلها بالأخذ ، والقبول ، والعمل بها ، وكان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يتلقّى الوحي ؛ أي : يستقبله ، ويأخذه ، ويعمل به . هذا ؛ وقرئ بنصب ( آدم ) ورفع ( كلمات ) والمعنى لا يتغير ؛ لأنّ ما تلقيته فقد تلقّاك ، وما تلقّاك فقد تلقّيته ، ومثل هذه الآية بالقراءتين قوله تعالى في الآية رقم [ 124 ] الآتية : قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ حيث يقرأ بالواو أيضا ، والمعنى واحد ؛ لأنّ ما نلته فقد نالك ، وما نالك فقد نلته . واختلف في الكلمات التي تلقاها آدم ، فقال ابن عباس ، والحسن البصريّ ، وسعيد بن جبير ، والضّحاك ، ومجاهد - رضي اللّه عنهم - : هي قوله تعالى : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ الآية رقم [ 23 ] من سورة ( الأعراف ) ، وقيل غير ذلك . فَتابَ عَلَيْهِ أي : قبل توبته ، ووفّقه للتوبة ، وكان ذلك في يوم عاشوراء في يوم الجمعة ، فعن أبي لبابة بن عبد المنذر - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن يوم الجمعة سيّد الأيام ، وأعظمها عند اللّه ، وهو أعظم عند اللّه من يوم الأضحى ، ويوم الفطر ، وفيه خمس خلال : خلق اللّه فيه آدم ، وأهبط اللّه فيه آدم إلى الأرض ، وفيه توفى آدم ، وفيه ساعة لا يسأل اللّه فيها العبد شيئا إلا أعطاه ؛ ما لم يسأل حراما ، وفيه تقوم الساعة ، وما من ملك مقرّب ، ولا سماء ، ولا أرض ، ولا رياح ، ولا جبال ، ولا بحر ، إلا وهنّ يشفقن من يوم الجمعة » ، رواه الإمام أحمد ، وغيره . قال القرطبيّ رحمه اللّه تعالى : إن قيل : لم قال : عَلَيْهِ ولم يقل : عليهما ، وحواء مشاركة في الذنب بإجماع ، وقد قال : وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ و قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا ؟ فالجواب : أن آدم عليه السّلام لمّا خوطب في أول القصّة بقوله تعالى : اسْكُنْ خصّه بالذكر في التلقّي ، فلذلك كملت القصّة بذكره وحده ، وأيضا : فلأن المرأة حرمة مستورة ، فأراد اللّه الستر لها ، ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله تعالى في سورة ( طه ) رقم [ 121 ] : وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى وأيضا : لما كانت المرأة تابعة للرّجل في غالب الأمر لم تذكر ، ولذا طوى ذكر النّساء في كثير من الآيات القرآنية ، وأحاديث الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، بينما ذكر مشاركة حواء لآدم في الدعاء والتوبة في سورة ( الأعراف ) ، وغيرها . إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ وصف اللّه نفسه بأنه التّواب ، وتكرّر هذا اللفظ في القرآن معرّفا ، ومنكرا ، واسما ، وفعلا ، وقد يطلق على العبد أيضا : تواب ، قال تعالى في الآية الآتية رقم