الشيخ محمد علي طه الدرة

114

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

بك ، والقضاء عليك كما يسمّى الصديق صديقا ؛ لصدقه فيما يدعيه لك من الألفة ، والمودة ، والمحبّة . هذا ؛ والحكمة من إهباط آدم عليه السّلام إلى الأرض ما كان قدّره في الأزل ، وهي نشر نسله فيها ؛ ليكلفهم ، ويمتحنهم ، ويرتّب على ذلك ثوابهم ، وعقابهم الأخرويّ ؛ إذ الجنّة ليست بدار تكليف ، وكانت تلك الأكلة سبب إهباطه من الجنّة ، وللّه أن يفعل ما يشاء ، وقد قال اللّه للملائكة حين توجهت إرادته لخلق آدم : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً وهذه منقبة عظيمة ، وفضيلة كريمة شريفة . هذا فقد روي : أنّ روح موسى التقت مع روح آدم عليهما السّلام ، فقال موسى : يا آدم ! أكلت من الشجرة حتّى سبّبت لذريتك العناء ، والشقاء ! فقال آدم : يا موسى ! أنت رسول اللّه ، وكليمه ، تلومني على أمر قدّره اللّه عليّ قبل أن يخلقني بآلاف السّنين ؟ فحجّ آدم موسى ؛ أي : غلبه بالحجّة . هذا ويسأل : آدم معصوم ، فكيف يخالف النّهي ؟ ! وأجيب بوجوه ، منها : أنه اعتقد أن النّهي للتنزيه ، لا للتّحريم ، ومنها : أنّه نسي النّهي ، وهو صريح قوله تعالى في سورة ( طه ) رقم [ 115 ] : فَنَسِيَ ومنها : أنه ظنّ نسخه بسبب مقاسمة إبليس له : أنه من النّاصحين ، وهو صريح قوله تعالى في سورة ( الأعراف ) رقم [ 21 ] : وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ فاعتقد : أنه لا يحلف أحد باللّه كذبا . وقد اختلف : هل كان ذلك من آدم قبل النبوة ، أو بعدها ؟ والظاهر : أنه أعطي النبوة في الأرض . وإلى الذين يكدسون الذنوب والمعاصي ، ويؤملون الآمال العراض في دخول جنّة عرضها الأرض والسماوات ، أذكر قول القائل : [ الكامل ] تضع الذّنوب على الذّنوب وترتجي * درج الجنان وطيب عيش العابد ونسيت أنّ اللّه أخرج آدما * منها إلى الدّنيا بذنب واحد هذا ؛ وقال ابن المنير - رحمه اللّه تعالى - : مقتضاه تأويل الآي . ومشعر ظاهرها بعدم وقوع الصّغائر من الأنبياء ، تنزيها لهم عنها . وعلى أن تجويز الصغائر عليهم قد قال به طوائف من أهل السنة ، وفي طيّ وقوعها ألطاف ، وزيادة في الالتجاء إلى اللّه تعالى ، والتواضع له ، والإشفاق إلى الخطّائين ، والدعاء لهم بالتوبة والمغفرة ، كما نقل عن داود - على نبينا وعليه ألف صلاة ، وألف سلام : أنه كان بعد ابتلاء اللّه له يدعو للخطّائين كثيرا ، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 106 ] من سورة ( النساء ) ، وفي الآية رقم [ 43 ] من سورة ( التوبة ) ، والآية رقم [ 68 ] من سورة ( الأنفال ) . وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ : موضع استقرار ، وقال السدي : مستقر يعني : القبور ، وقوله تعالى : جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً يحتمل المعنيين ، واللّه أعلم ، ومنه سمّيت متعة النكاح ؛