الشيخ محمد علي طه الدرة

113

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

لأهبطنّك إلى الأرض ، ثم لا تنال العيش فيها إلا نكدا ! فأهبط من الجنّة ، وعلّم صنعة الحديد ، وخلق اللّه ثورا ، وبقرة ، وقال له : احرث ، فحرث ، وزرع ، وسقى ؛ حتّى إذا بلغ ، واشتدّ ؛ حصده ، ثم درسه ، ثم ذرّاه ، ثم طحنه ، ثمّ عجنه ، وخبزه ، ثمّ أكله ، فلم يصل إلى حلقه حتّى بلغ منه الجهد » . وفي رواية أخرى عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : أنّ اللّه تعالى قال : يا آدم ! ما حملك على ما صنعت ؟ قال : يا رب زينته لي حواء ، قال : فإنّي قد أعقبتها ألا تحمل إلا كرها ، ولا تضع إلا كرها ، ودميتها في الشهر مرّتين ، فرنت حواء عند ذلك ، فقيل : عليك الرنّة ، وعلى بناتك . والرنّة : الصّوت ، فلما أكلا من الشجرة ؛ تساقطت عنهما ثيابهما ، وبدت لهما سوآتهما ، وهو صريح قوله تعالى في سورة ( الأعراف ) رقم [ 22 ] ، وفي سورة ( طه ) [ 121 ] : فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ . وَقُلْنَا اهْبِطُوا : الهبوط : النزول من أعلى إلى أسفل ، والخطاب لآدم ، وحواء ، والحيّة ، وإبليس ، وفي سورة ( الأعراف ) رقم [ 24 ] مثله ، وفيها رقم [ 13 ] : فَاهْبِطْ مِنْها على أنه خطاب لإبليس وحده ، وفي سورة ( طه ) رقم [ 123 ] : اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً على أنه خطاب لآدم وحواء ، أو لآدم وإبليس ، فأهبط آدم بسرنديب من الهند بجبل يقال له : بوذ ، ومعه ريح الجنّة ، فعلق بشجرها ، وأوديتها ، فامتلأ ما هنالك طيبا ، فمن ثم يؤتى بالطّيب من هناك ، وهو من ريح آدم عليه السّلام ، وفي البخاريّ عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « خلق اللّه آدم وطوله ستون ذراعا » . وأهبطت حواء بجدّة ، وإبليس بالأبلّة ، والحيّة سجستان وهي أكثر بلاد اللّه حيّات ، ولولا العربد الذي يأكلها ويفني كثيرا منها ، لأخليت سجستان من أجل الحيّات ، ذكره أبو الحسن المسعودي . انتهى قرطبي . قال الجوهري : والعربدّ : حية تنفخ ، ولا تؤذي ، وزاد صاحب القاموس : أو حية حمراء خبيثة . بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ : عَدُوٌّ ضدّ صديق ، وهو على وزن فعول بمعنى فاعل ، مثل : صبور ، وشكور ، وما كان على هذا الوزن يستوي فيه المذكر ، والمؤنث ، والمفرد ، والمثنّى ، والجمع ؛ إلا لفظا واحدا جاء نادرا ، قالوا : هذه عدوة اللّه . قال تعالى : إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا الآية رقم [ 6 ] من سورة ( فاطر ) ، فقد عبّر عنه به عن مفرد ، وقال تعالى حكاية عن قول إبراهيم - على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام - : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ الآية رقم [ 77 ] من سورة ( الشعراء ) ، فقد عبّر به عن جمع ، ومثل ذلك : صديق ، أي في إتيانه بلفظ واحد للمفرد ، والمثنّى ، والجمع ، والمذكر ، والمؤنث ، وجمع عدو : أعداء ، وأعاد ، وعداة ، وعدى ، وقيل : جمع أعداء ، فيكون جمع الجمع ، وفي القاموس المحيط : والعدا بالضم ، والكسر : اسم الجمع . هذا وسمي العدو : عدوّا ؛ لعدوه عليك عند أول فرصة تسنح له للإيقاع