الشيخ محمد علي طه الدرة
104
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
عنه - ، وبما جاء في أحاديث من أنّ اللّه تعالى يباهي بأهل عرفات الملائكة ، ولا يباهي إلا بالأفضل ، واللّه أعلم . انتهى قرطبي بتصرف . فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ : فيه دليل على أنّ أحدا لا يعلم الغيب ؛ إلا ما أعلمه اللّه تعالى ، كالأنبياء ، والأولياء ، والصدّيقين ، فالمنجّمون والكهّان ، وغيرهم كذبة ، قال تعالى في سورة ( الأنعام ) رقم [ 59 ] : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ . . . إلخ ، وقال تعالى في آخر سورة ( لقمان ) : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ . . . إلخ . انظر شرحهما هناك ؛ تجد ما يسرك ، ويثلج صدرك . هذا ودخول الاستفهام على النفي في أَ لَمْ يفيد التوبيخ ، والتأنيب ، والتقرير . وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ أي : ما تظهرون من قولكم ؛ أي : أَ تَجْعَلُ فِيها . . . إلخ . وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ : تخفون ، وتسرّون من قولكم : لا يخلق ربنا خلقا أكرم عليه منّا . وقال ابن عباس ، وابن مسعود ، وسعيد بن جبير - رضي اللّه عنه - : المراد ما كتمه إبليس في نفسه من الكبر ، والمعصية ، قال ابن عطية : وجاء تَكْتُمُونَ للجماعة ، والكاتم واحد في هذا القول دليل على تجوّز العرب ، واتساعها ، كما يقول لقوم قد جنى سفيه منهم : أنتم فعلتم كذا ؛ أي : منكم فاعله ، وهذا مع قصد تعنيف . هذا و « كتم » من باب نصر ، وربما عدّي « كتم » على مفعولين ، فيقال : كتمت زيدا الحديث ، وقال تعالى في سورة ( النساء ) رقم [ 42 ] : يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ، والأكثر أن يتعدّى إلى الثاني بحرف الجر ، قال تعالى في الآية رقم [ 159 ] الآتية : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى . . . إلخ ، وتزاد « من » جوازا في المفعول الأول ، فيقال : كتمت من زيد الحديث ، وكتم الشيء : بالغ في كتمانه ، أي في إخفائه ، قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان » . قال صاحب القاموس : والكتم محركة والكتمان بالضم : نبت يخلط بالحنّاء ، ويخضّب به الشعر ، ويصنع منه مداد الكتابة . انتهى . ورحم البوصيري إذ يقول : [ البسيط ] فإنّ أمّارتي بالسّوء ما اتّعظت * من جهلها بنذير الشّيب والهرم ولا أعدّت من الفعل الجميل قرى * ضيف ألمّ برأسي غير محتشم لو كنت أعلم أنّي ما أوقّره * كتمت سرّا بدا لي منه بالكتم الإعراب : قالَ : فعل ماض ، وفاعله يعود إلى رَبُّكَ ، والجملة الفعلية مع مقولها مستأنفة لا محل لها ، وهي بمنزلة جواب لسؤال مقدر كالتي قبلها . ( يا ) : أداة نداء تنوب مناب : أدعو ، أو أنادي . ( آدم ) : مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب ( يا ) ، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول . أَنْبِئْهُمْ : فعل أمر ، وفاعله تقديره : أنت ، والهاء مفعول به . بِأَسْمائِهِمْ : متعلقان بالفعل قبلهما ، وهما في محل نصب مفعوله الثاني ، والهاء في محل جر بالإضافة ، والجملة الفعلية