محمد غازي عرابي
715
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
وهو الذي يسقي الإنسان ماء العلوم التجريبية أولا ، ثم التجريدية ثانيا ، ثم الحدسية ثالثا ، ثم الذوقية اللدنية رابعا ، واللّه هو الذي يشفي القلب إذا مرض ، وكم من مرض يصيب القلب ، ومن الأمراض حب المال والجاه والغرور والعجب ومد العينين إلى زينة الحياة الدنيا وطول الأمل وضعف اليقين والشك في فعل اللّه وقدرته وقضائه إلى آخر الأمراض النفسية التي لا شفاء للإنسان منها إلا بربه ، والذي يغفر للإنسان خطيئته من حب الظهور والتمسك بالأنا فيأخذه عن نفسه ويرده إليه ، ويدخله في الصالحين الموحدين الذين استقاموا على الطريقة فسقاهم ربهم ماء غدقا ، ووهب لهم لسان الحكمة والبلاغة وعلم الغيب والتنبؤ بالمستقبل ، فيكون بهذا قد دخل جنة نعيم العلوم ونجا من نار الجهل والتضاد ، فكل ما تقدمه الدنيا هو قبض الريح ، ولا أدل على هذا من حال الأغنياء الذين هم عبيد فروجهم وشهواتهم ، والذين يقومون ويقعدون خائفين على أموالهم متحسبين مقترين والذين يخافون على أبنائهم ويخافونهم إذا كان الأبناء أحيانا عدوا لهم كما قال سبحانه : إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [ التغابن : 14 ] ، أو كما قال الشاعر الألماني غوته في فاوست : هل عندك إلا طعام لا يشبع وذهب أحمر كالزئبق لا ينفك يتسرب من يديك وتعب ليس وراءه إلا الخسارة أو فتاة تستريح على صدري وعينها تغازل جاري أو متعة المجد الإلهي الرائع التي تختفي وتزول كالشهاب ؟ فلا ينفع الإنسان شيء في حياته إلا من أتى اللّه بقلب سليم ، أي أن يسلم القلب من كل ما يصده عن اللّه والتفكير في آياته وآلائه ونعمه وقدراته فيسلم أمره إليه ويستكين ، كما قال سبحانه : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ [ الفتح : 4 ] ، وقال : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ يونس : 62 ] . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 90 إلى 103 ] وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 90 ) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ ( 91 ) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 92 ) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ ( 93 ) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ ( 94 ) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ( 95 ) قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ ( 96 ) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 97 ) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 98 ) وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ ( 99 ) فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ ( 100 ) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ( 101 ) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 102 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 103 ) [ الشعراء : 90 ، 103 ] المتقون من اتقوا أنفسهم والكثرة من حولهم وردوا الجميع إلى اللّه ، فهؤلاء في الجنة منعمون ، استراحوا من هم التفكير في الحياة والدنيا ، وكلوا أمرهم إلى اللّه ، وعلموا علم