محمد غازي عرابي

716

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

اليقين أن لا حركة ولا سكون إلا بأمره ، قال الإمام ابن الفرغاني : ما من خطرة ولا حركة إلا بأمر وهو قوله : ( كن ) ، فله الخلق بالأمر ، والخلق صفته ، فلم يدع بهذين الحرفين لعاقل يدعي شيئا من الدنيا والآخرة ، لا له ولا به ولا إليه ، فاعلم إنه لا إله إلا اللّه . أما من لم يحصل علوم اليقين فإنه يبقى محجوبا عن اللّه ، وبالتالي محجوبا عن الحقيقة ، وبقي من ثم أسير نفسه ، والنفس أمارة جبانة ، شكاكة ، وبقي أسير اسمه ثانيا ، والاسم قهار جبار يقذفه يمينا وشمالا ، وبقي أسير هيكله ثالثا ، وهذا أسر التعين الذي لافكاك للإنسان منه إلا بالموت ، والموت عدم ولا أحقر من العدم ، قال أبو العباس المرسي : من لم يتغلغل في هذه العلوم بات مصرا على الكبائر وهو لا يعلم . [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 104 ] وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 104 ) [ الشعراء : 104 ] العزيز كونه سبحانه صاحب العزة ، والعزة القوة والمنعة . . . إذ لدى انكشاف الأمر يتبين أن اللّه هو القاهر فوق الخواطر ، ولهذا قال الإمام علي رضي اللّه عنه : ( جبار الخواطر شقيها وسعيدها ) ، فأنى توجه الإنسان وكيفما استمع فهو دائر في فلك الجبروت ، ليس له منه مهرب ولا فكاك . وأما الرحمة فهي نتيجة للعزة ، وكثيرون تساءلوا عما إذا ما قاله ابن عربي سلطان العارفين صحيحا عن شمول المغفرة والرحمة ، وكثيرون تساءلوا إذا صح هذا فما معنى الحديث عن الثواب والعقاب ويوم الدينونة والحساب ثم المآب إما إلى الجنة أو إلى النار . . والحقيقة أن من يتفكر في أحاديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن حقيقة القضاء والقدر ، وكيف أن اللّه خلق الناس في الأزل قبضتين قبضة في الجنة وقبضة في النار ، وما أوردناه في كتابنا علم الكشف من أن رجلين من مزينة أتيا رسول اللّه فقالا : يا رسول اللّه ، أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه ، أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق ، أو فيما يستقبلون به أتاهم به نبيهم وتثبت الحجة عليهم ؟ فقال : لا ، بل شيء قضى عليهم ومضى فيهم . . وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : ( إذا ذكر القدر فأمسكوا ) ، وقوله : ( لا تسبوا الدهر فإن اللّه هو الدهر ) ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم في الغلام الذي قتله العبد الصالح إنه طبع في بطن أمه كافرا ، وقوله في الجنين إنه يطبع في الرحم إما شقيا وإما سعيدا . . . إذا أمعن الإنسان الفكر في هذه الأحاديث لوجد أن من العدل أن يكون الختام كما بشر به سلطان العارفين عندما قال بعموم المغفرة والرحمة ، وخاصة وأن رسول اللّه قال إن للنار عمرا ، وإن الجبار يضع فيها قدمه فتقول أطّ أطّ - أي أنّت - فينبت فيها شجر الجرجير ، والمتتبع لما ورد في هذا الكتاب وكتبنا الصوفية السابقة من إشارات ودلالات ومعادلات واجد في النهاية أن المخرج يؤدي منطقا وعدلا إلى هذه الرحمة التي تعم الجميع في ختام المطاف ، فما الأشقياء إلا تعينات اسمه المضل ، وما الأبرار إلا تعينات اسمه الهادي ، ولقد