محمد غازي عرابي
1197
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
سورة النصر بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة النصر ( 110 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ( 1 ) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً ( 2 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً ( 3 ) [ النصر : 1 ، 3 ] وعد اللّه رجاله النصر ، وللّه رجال ، بعثهم آحادا إلى الدنيا ليبشروا برسالته وينذروا ، وكان خاتمهم محمدا رسول اللّه سيد الدنيا والآخرة ونور الوجود ، ولقد عانى النبي الكثير من جراء دعوته ، وكان اللّه مؤيده وناصره فلا هازم له ، فالحق سيد الكونين ، ورب الثقلين ، له الملك فيهما ، ومن ملكه جنود الخواطر ، ولقد جعل الحق أفئدة من الناس تهوي إلى النبي ، وإلي الدين الجديد ، فكان من أوائل المؤيدين خديجة وأبو بكر وعلي رضي اللّه عنهم ، ثم أيده اللّه بعمر بن الخطاب حين سأل النبي ربه ذلك . ثم حقق اللّه الرؤيا التي أراها نبيه ، وهي فتح مكة ، وظهرت قوة الإسلام ، فجاءت القبائل إلى النبي ، ودخلت الأعراب في الدين أفواجا ، وتمت كلمة اللّه بالحق ، وتحقق نصر الإسلام ، ولما تلا النبي قول اللّه : فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ [ النّصر : 3 ] ، علم أبو بكر الإشارة فقال : نعيت إليك نفسك يا رسول اللّه ، وتلك لقطة رائعة للصديق صاحب مقام الصديقية حيث أدرك من العبارة الإشارة ، وقد علم النبي فعلا دنو أجله ، فكان يكثر بعد نزول سورة النصر القول : سبحان اللّه وبحمده ، وأستغفر اللّه أتوب إليه . فالآجال موقوتة ، وإذا جاء نفسا أجلها لا تستقدم ساعة ولا تستأخر ، والأنبياء والوارثون يكاشفون بميقات أجلهم كما حدث للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد علم الإمام الغزالي ساعة موته ، فقام فتوضأ وصلى ، ثم أخرج كفنه ، وجعله بجانبه ، ثم تمدد على الأرض باتجاه القبلة وأسلم الروح . وجاءت امرأة محمد بن سيرين سيد علماء تعبير الرؤيا فقالت له : رأيت القمر البارحة في الثريا ، فقال : أنا قمر هذا الزمان في هذه البلدة ، والثريا سبعة أنجم ، وبعد سبعة أقبر ، فإن الثريا من الثرى وهو اسم للأرض ، فمات إلى سبعة أيام . وإيمان كهذا ينقل الجبال من أماكنها . وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المؤمن بالقضاء والقدر والأجل يلقي نفسه على الموت غير هياب ولا وجل لعلمه ويقينه بأن لنفسه أجلا ، ولن تقدم أحداث الحياة أجل نفس ، ولن يؤخره حرص الجبان على الحياة .