محمد غازي عرابي

1173

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

الشفع والوتر ، مع الأعداد المفردة والمزدوجة ، أسس عالم الغيب الباطن لعالم العيان ، وسبب الحياة والحركة والدينامية في الوجود . [ سورة الفجر ( 89 ) : الآيات 6 إلى 14 ] أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ( 6 ) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ( 7 ) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ ( 8 ) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ ( 9 ) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ ( 10 ) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ( 11 ) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ ( 12 ) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ( 13 ) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ( 14 ) [ الفجر : 6 ، 14 ] يذكر اللّه بالفاسقين الذين فسقوا عن أمر ربهم ، مثل قوم عاد الطوال القامة إشارة إلى التوسع في اعتماد عالم العيان ، وقوم ثمود الذين قطعوا الصخر بالواد إشارة إلى المعقولات ، وكنّا أوّلنا الجبال بالمعقولات من قبل ، والوادي النفس كما قوله سبحانه لموسى : إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً [ النازعات : 16 ] ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : ( إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن ) ، يريد النفس ، لأن النفس يمين الصدر ، والقلب في شماله ، والإشارة إلى أن ثمود اعتمدوا المعقولات المستنبطة من الحسيات ، فما ردوها إلى بارئها ومجريها ومرسيها وهذا حال معظم الفلاسفة اليوم ، أما فرعون فلقد عرف بأنه كان يشد من يعذبهم إلى أربعة أوتاد إشارة إلى العناصر الأربعة التي يتكون منها العالم الحسي الماء والهواء والنار والتراب ، والنتيجة صورة الكافر الذي يعبد الطبيعة ، لا يستشف ربها ، ولا يعبده ، فجزاء هؤلاء ما كسبوا ، وهو اعتمادهم العالم الحسي ذاته ، وإيمانهم بأن الفكر نشاط ميكانيكي آلي للدماغ كما تقول المادية ، وترى الكافرين حيارى معذبين ، يتوهون في وديان الفكر والمحسوسات ينشدون جاهدين العثور على مرفأ آمن يأوون إليه من عواصف الحياة فلا يجدون . [ سورة الفجر ( 89 ) : الآيات 15 إلى 30 ] فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ( 15 ) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ( 16 ) كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ( 17 ) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ( 18 ) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا ( 19 ) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا ( 20 ) كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ( 21 ) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ( 22 ) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى ( 23 ) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي ( 24 ) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ ( 25 ) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ ( 26 ) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 ) فَادْخُلِي فِي عِبادِي ( 29 ) وَادْخُلِي جَنَّتِي ( 30 ) [ الفجر : 15 ، 30 ] العودة إلى التذكير بدور الأخلاق في الوصول إلى الحقيقة وكشفها ، فالأناني مثلا يظل محصورا في حيز نفسه ، ونفسه سجنه ، فهو أسير الجزئي والمحسوس . ولقد وجد شوبنهاور ، الفيلسوف الألماني ، نفسه بعد أن أكد أنه ليس في هذه الحياة إلا إرادة باطنة مجنونة لا عاقلة ،