محمد غازي عرابي
1169
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
سورة الطارق بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة الطارق ( 86 ) : الآيات 1 إلى 17 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ ( 1 ) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ ( 2 ) النَّجْمُ الثَّاقِبُ ( 3 ) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ ( 4 ) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ( 5 ) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ( 6 ) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ ( 7 ) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ ( 8 ) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ ( 9 ) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ ( 10 ) وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ ( 11 ) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ ( 12 ) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ( 13 ) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ ( 14 ) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً ( 15 ) وَأَكِيدُ كَيْداً ( 16 ) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ( 17 ) [ الطارق : 1 ، 17 ] قلنا السماء المعقولات ، والطارق معقول من هذه المعقولات خص كل إنسان به ، وسمي في السورة حافظا ، أي يخصها بما قدر لها أزلا شقاء وسعادة ، أو كما قال سبحانه في وصف النفس : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ( 8 ) [ الشمس : 7 ، 8 ] ، وقلنا إن البطش الإلهي هو حكم النفس من قبل اللّه ، وقلنا إن المكر الإلهي هو المكر في النفس وبالنفس من حيث لا يدري صاحب النفس كيف يكون الأخذ ، وكيف يكون الاستدراج ، وكيف يكون الاستواء على عرش القلب . والإنسان مخلوق من سلالة من طين ، ومن صلصال من حمأ مسنون فالإنسان طيني النشأة ، هو من التراب وإليه ، وهو مستودع الروح ومحل لأمره وفعله وتسييره ، فالإنسان دابة إلهية قال فيها سبحانه : وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ [ النمل : 82 ] ، والكلام يكون وحيا وإلهاما من قبل سماء المعقول التي وصفت بأنها ذات الرجع ، أي ذات مطر العلم النازل من سماء الرحموت إلى أرض الملكوت ، والأرض صادعة بما تؤمر ، وهي تصدع ، أي تشق لتستقبل مطر العلم الإلهي ، فنزول الأمر هو قول فصل لا رجعة فيه ، ولا تبديل لكلمات اللّه ، وما كان للإنسان الخيرة ، بل للّه الذي وصف نفسه في السورة بأنه صاحب كيد ، فلئن فكر الإنسان ، ونظر ، وقدر ، فهو مأخوذ بفكر إلهي أكبر وأقهر .