محمد غازي عرابي
676
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
والجبال التي فيها برد الكيفيات ذاتها وقد انقسمت إلى كيفيات مظلمة وكيفيات مضيئة ، فما في وجود الإنسان إلا كيف مؤمن وكيف كافر . . كيف يعتمد الروح ، وينطلق منه أساسا كما فعل هيجل ، وكيف يعتمد المادة وينطلق منها أساسا كما فعل ماركس . . والفريقان انشطار فعلي للروح العلمي إخراجا للمضامين ، سبحانه هو القائل : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [ التّغابن : 2 ] ، وليس ثمت فوقه قاهر أو تحته أو دونه ليفعل ذلك ، وهذا ما عبرت عنه الآية بالمشيئة الإلهية التي تسبق الإرادة والقدرة الإنسانيتين . وقوله : يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ إشارة إلى حقيقة الجبروت الإلهي المستسر في بطنان الكيفيات ، فتظهر الكيفيات وتمارس عملها على يد الإنسان ، فيحسب الإنسان أنه هي ، وأنها هو وأنها له ، وأنه شاءها واختارها بينما العكس هو الصحيح ، فليس الإنسان هو الذي يختار بل صفته هي التي تختار كما قال سبحانه : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ ثم تبت أخيرا القضية ، وتتخذ القرار كما قال سبحانه : وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [ الرّعد : 39 ] ، ولهذا يتصف الكريم بصفة الكرم ، ولا يستطيع أن ينقلب إلى ضدها ولا يقبل ، وكذلك من يسر للعلم طلب العلم ، وبذل في سبيل تحصيله حياته وماله حتى وصف الإمام الشافعي بأنه وحش علم . والذهاب بالأبصار ظهور الحقيقة الذوقية التي تكشف عن كون اللّه صاحب الكيف وصاحب الفعل ، وأن ليس للإنسان إلا التنفيذ ، وما مصطلح الفناء إلا تعبير عن المقام الذي يعيشه المكاشفون حين يكاشفون بحقيقة الجبروت الذي هو من وراء كل شيء محيط ، والذي هو فوق العباد قاهر ، والذي هو الذات وله الصفات ، وسأل سائل البسطامي متى يصل العبد إلى اللّه ؟ فأجاب يا مسكين ، وهل وصل إليه أحد ؟ لو بدا للخلق منه ذرة ما بقي الكون ولا ما هو فيه ، وقال أيضا : المؤمن بلا نفس ، وقرأ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ [ التّوبة : 111 ] فمن باع نفسه فكيف تكون له نفس ؟ [ سورة النور ( 24 ) : آية 44 ] يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ ( 44 ) [ النور : 44 ] سبق أن قلنا الليل ليل المادة والنهار نهار الروح ، أو أن الليل هو الروح باعتبار خفاء الروح ، والنهار نهار المادة باعتبار ظهور المادة ، فالتأويل يحتمل حمل المبنى على معان عديدة ، وهذا ما أشار إليه صلّى اللّه عليه وسلّم قائلا : ( ما من آية في كتاب اللّه إلا ولها ظهر وبطن ، ولبطنه بطن إلى سبعة أبطن . . ) أي أن التأويل والتفسير أبطن لا بطن واحد ، وهذا دليل على عظمة القرآن وإعجازه . إلا أن للتأويل قواعد وأحكاما لا خروج عليها ، وهو علم دقيق يسر اللّه له أهله من الأنبياء والأولياء ، وأصله الرؤيا التي أراها اللّه الأنبياء مثل إبراهيم ويوسف ومحمد عليهم السّلام ، فمن خلال