محمد غازي عرابي

677

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

هذا المنظور الكشفي الرؤيوي يتم التأويل ، قال الإمام القشيري : النصوص على ظواهرها ، ومع ذلك فيها إشارات خفية إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة فهو من كمال العرفان ومحض الإيمان ، وقال إبراهيم البسيوني : التقاط الإشارة ليس مسألة عفوية ولكنه يخضع لأصول ، ويخضع لمناقشة الآراء المختلفة وتفنيدها إن استخراج الإشارة عمل له قواعد وأصول . أما أن يكون التأويل حاصل تحصيل الفكر النظري وحده فهذا مدعاة إلى الوقوع في الهوة التي وقع فيها بعض الفلاسفة ، ومثل هؤلاء في الفلسفة الإسلامية ابن رشد الذي ذكرنا لقاءه بابن عربي وما جرى بينهما من حوار ، وكيف وافق ابن عربي ابن رشد في أمور قالها ابن رشد ، وكيف خالفه في أمور مما جعل ابن رشد يستعيذ ويستغفر ، فللتأويل عين إلهية تسدد المؤول لدى تأويله ، وترافقه ، ولا تأخذها عنه سنة ولا نوم ، هذا بالإضافة إلى الرؤى الصالحة التي هي بقية النبوة وجزء منها ، وهي المدد الإلهي الدائم لصاحب الكشف تثبته ، وتؤيده ، وتهديه صراطا مستقيما . لقد كنا نظن مثلا أن البحر الأجاج إشارة إلى عالم الكثافة والمادة فإذا الرؤيا ترينا العكس ، وأن البحر الأجاج هو عالم الأصل والروح ، وأن البحر العذب الفرات هو عالم المادة والظهور ، وهذا ملاحظ في عالم الشهادة ، إذ أن البحر هو الأصل ، والأنهار والينابيع هي الفروع ، ولولا أجاج البحر ما بقي صالحا نظيفا طوال ملايين السنين ولا كان مصدر مياه البر جمعاء ، كما يعد الملح أعظم مادة مطهرة في عالم العناصر . والمثل الذي ضربناه دليل على أن التأويل عمل إلهي وإن نفذه الإنسان وأنه ما لم يتصل العبد بربه عن طريق الرؤى الصالحة ، ويبلغ مرتبة المكالمة الموسوية مع الحق بلا واسطة ، فلن يصل الإنسان إلى مقام يؤهله للقيام بالتأويل ، قال الإمام الغزالي : من انكشف له حقيقة الملكوت انكشف له حقائق أمثلة القرآن على يسر ، وقال : فكان ما كان مما لست أذكره ، فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر . [ سورة النور ( 24 ) : آية 45 ] وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 45 ) [ النور : 45 ] الماء النفس الكلية ، ولهذا قال سبحانه في موضع آخر : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [ الأنبياء : 30 ] ، والإنسان دابة باعتبار الجانب الحيواني منه ، ومن يمشي على بطنه الموحد الذي خلص من ظاهره إلى باطنه فهو لا يرى شيئا إلا اللّه ، واللّه في باطنه بلا اتصال ولا