محمد غازي عرابي

675

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

اللّه ، وكيف يكون فعله في السماوات والأرض . [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 39 إلى 42 ] وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 39 ) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ ( 40 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ ( 41 ) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ( 42 ) [ النور : 39 ، 42 ] كل من جهل نفسه وقدر نفسه جهل بالتالي ربه وقدر ربه ، وكل من قال أنا وأنا ، وأنا ومن بعدي الطوفان ، فهو كالغصن المقطوع من شجرة وحيد حيران ضائع مشتت القلب والبال والأفكار لا يقر له قرار ، وهؤلاء كالانعام بل هم أضل سبيلا . . بل إن الأنعام لتسبّح للّه بالفطرة ، وغريزتها بمثابة العقل تهديها سواء السبيل وهي قانون إلهي طبعي ويسيرها في البر والبحر ، وهذا شيء مشاهد في عالم الحيوان ، أما الإنسان فإذا تاه عن ربه انحط إلى درك أين منه درك الحيوان ، ولا أشقى من هذا المخلوق الذي إن وجد ربه بلغ جنة الحيوان حيث الحياة الحقية الحقيقية ، وإن أضاعه أضاع دنياه وآخرته . [ سورة النور ( 24 ) : آية 43 ] أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ ( 43 ) [ النور : 43 ] قوله سبحانه : يُزْجِي سَحاباً أي يسوقه برفق ، والسحاب هنا إشارة إلى الكيفيات وقد أخذ بناصيتها ودفعها نحو العالم المادي الذي لم يكن ثم كان ، وكنا تحدثنا عن انفجار السديم القديم ، والتأليف بين السحاب إعطاء الكيف حقه من المعقول ، وسبق أن بينا في روايتنا « ذات الساق المبتورة » أن المعقول من دون اللّه ما كان معقولا ، وأن العدل لولا اللّه ما كان عدلا ، وكم جرت محاولات عبر التاريخ لقلب مفهوم العدل إلى ضده أي إلى القوة والظلم ، فهاجم نيتشة مثلا المفاهيم المسيحية ، ووصفها بأنها ديانة الكلاب العرجاء ، فالإنسان بل والحيوان يقبل مفهوم العدل لأن اللّه زرع هذا القبول فيه بالفطرة . وخروج الودق من السحاب خروج مطر العلم من المعقولات ، ففي عالم الإنسان ليس ثمة إلا هذه الكيفيات الدائرة في فلك الإنسان وحده ، ولقد ساد الإنسان العالم بالعلم ، وعلمه كيفيات معقولة هي ما تميزه عن الحيوان وتجعله فوقه ، فالإنسان سيد الكائنات بالعلم .