محمد غازي عرابي

657

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

الإنسان ، فأي كنز أعظم من هذا الكنز ؟ فمن غاب عن اللّه خسر الدنيا والآخرة ، وهو يخسر الدنيا قبل أن يخسر الآخرة ، لأنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان كما قال السيد المسيح ، فالإنسان بحاجة إلى إشباع روحي ، لأنه هو نتاج روحي ، فكل بعد عن المطلب بعد السفر والضياع ، وكل قرب من المطلب هو العثور على السعادة في الوجدان [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 45 إلى 49 ] ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 45 ) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ ( 46 ) فَقالُوا أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ ( 47 ) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ ( 48 ) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ( 49 ) [ المؤمنون : 45 ، 49 ] قوله سبحانه أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا فيه إنكار من قبل الملحدين لتعين الإنسان الكامل الذي هو الإنسان الكبير والذي هو روح الكون المدبر له كما قال ابن عربي : وظهور النبي تجسد دوري للإنسان الكبير ، فمتى أتمت الدورة الوجودية أجلها ظهر هذا الإنسان متعينا في زمان ومكان ، ولقد شد أزر موسى الذي هو ممثل العقل النظري بأخيه الذي هو ممثل العقل العملي ، فلا بد للإنسان من شريعة تضمن له صلاح أمره في الدنيا والآخرة ، وبهاتين الهبتين يبلغ الإنسان الكمال . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 50 إلى 51 ] وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ ( 50 ) يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 51 ) [ المؤمنون : 50 ، 51 ] قيل في الربوة إنها مرتفع من الأرض أقرب ما يكون إلى السماء ، والقرار أصل هذه الأرض ، وهو الجسم الكلي ، والمعين ما في هذا القرار من معين من الروح وعلومه . . ولهذا ضرب عيسى وأمه آية ، وللمثل لطيفة . . فلقد قلنا إن مريم إشارة إلى النفس التي تطهرت وانجلت وصارت صالحة لاستقبال الأنوار ، والمسيح ولادة الكلمة من الأب الروح الفاعل ، والمثل يصور مخاض هذا العالم وتمخضه عما ركز فيه من علوم ، ولهذا قال الفيلسوف لا يبنتز إن ثمة مفاهيم أزلية لا يوقظها إلا العالم الخارجي ، فمريم العالم ، والمسيح مجموعة المفاهيم الظاهرة في الإنسان الممسوح بالنور ، فليس في الوجود إلا علم مطوي يريد أن ينشر فخلق بارئه هذا العالم للنشر . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 52 ] وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ( 52 ) [ المؤمنون : 52 ] الأمة الواحدة النفس الواحدة التي بث اللّه منها ومن زوجها رجالا كثيرا ونساء ، وفي الفلسفة يقال النفس واحدة من حيث تعينها الذاتي ، فالأمة ممثلة الجنس البشري ، ووحدتها من جنسيتها كما يقال جيش واحد وماء واحد ، فمن حيث الهوية فلا فصل بين الهويات