محمد غازي عرابي
658
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
الجزئية لأن عين الوجود واحدة وهي الحق ، ولهذا ختمت الآية بالقول وَأَنَا رَبُّكُمْ أي رب هذا الجنس وغيره ، وأنا رب الوحدة لأني أنا الأحد والواحد . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 53 إلى 54 ] فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( 53 ) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ( 54 ) [ المؤمنون : 53 ، 54 ] الأحزاب تعينات الأسماء حيث يظهر كل حزب في اسم ، فتعدد الأسماء والمسمى واحد ، ففي هذه الدائرة المركز واحد والمحيط واحد كثير بأسمائه المتعينة . وقوله : كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ، يعني إيمان تعين الاسم بالخاطر الذي يوحيه الاسم ذاته ، وهذا ملاحظ في الناس حيث يميل المؤمن إلى المؤمن والكافر إلى الكافر ، والمنافق إلى المنافق ، وثمة لطيفة في الآية في جمعه بين الحزب وهو مفرد وقوله : لَدَيْهِمْ أي الجمع ، فالاسم من حيث القرار مرجعه إلى الوحدة التي تكلمنا عنها ، وهو من التعين كثير وأشير إلى هذه الكثرة بلديهم ، ومعنى لدى عند ، فعند الكثرة ثمة وحدة لطيفة غير مبصرة إلا لمن فتح اللّه عين بصيرته ، فشاهد الوحدة في الكثرة والوحدة في الكثرة . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 55 إلى 56 ] أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ ( 55 ) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ( 56 ) [ المؤمنون : 55 ، 56 ] وصف سبحانه المال والبنين في موضع آخر بزينة الحياة الدنيا ، ودعا سبحانه إلى تجاوز هذا الحجاب إلى الباقيات الصالحات ، وفي الآيتين وصف المال والبنون بالاستدراج ، والربط بين الآيات يظهر أن اللّه حذر أشد ما حذر من الكثرة والعلاقات المادية التي وصفها بأنها زينة . . . وأما الكثرة فلتعلق القلب بالصور ، خاصة إذا كانت الصورة ولدا ، وأعظم ما يعلق القلب الولد لأنه امتداد للفرد ، والولد صورة ، والصور للّه ، فالولد للّه هو خالقه ، ومصوره في الرحم ، وواهبه لوالديه ورازقه وميسره للسعادة أو للشقاء ، فالولد وسيلة ظهور إلهية ، وهو قابل من رأسه إلى أخمصيه ، وهذا الإنسان منكوح من رأسه إلى عقبيه ، وإذا لم يستدل بالصناعة على الصانع فبئست الصناعة وبئس الولد ، ولهذا كان امتحان اللّه لإبراهيم عليه السّلام في ولده لما أراه في المنام أن يذبحه ، ولئن دعي إبراهيم إلى ذبح نفسه لكان ذلك أهون عليه من ذبح ولده ، فهذه الخيرات الممثلة في الولد والمال وسيلة لتعرف الخالق صاحب أسماء الحي والبارئ والمصور والرزاق . . . فإذا لم تتحقق الغاية من الخلق فالمال والولد شر وحجاب وأكثف حجاب . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 57 إلى 61 ] إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ( 57 ) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ( 58 ) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ ( 59 ) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ( 60 ) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ ( 61 ) [ المؤمنون : 57 ، 61 ]