محمد غازي عرابي
939
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
[ سورة فصلت ( 41 ) : آية 39 ] وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 39 ) [ فصلت : 39 ] الإشارة إلى أرض النفس التي تكون نائمة لا تعي الحقيقة ولا أين هي ، جاهلة ما للغيب من قوى هي المسيرة للوجود ، فإذا شاء اللّه لها أن تستيقظ أرسل إليها روحه فانتبهت وصحت ووعت وأدركت كالأرض الظمآى إذا مطرت اهتزت وربت وحييت بعد موات . [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 40 إلى 42 ] إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 40 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ( 41 ) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ( 42 ) [ فصلت : 40 ، 42 ] كيف يخفى على اللّه شيء واللّه باطن كل شيء ؟ وإذا كانت جهنم بالمرصاد ، فإن اللّه من قبل جهنم بالمرصاد ، ولو علم الناس كيف يراهم اللّه لرجفت قلوبهم كما ترجف الأرض عند الزلزلة ، ولا يخاف اللّه أحد كالأنبياء والصوفية لعلمهم بمدى قربه ، بل كونه هو هويتهم وسرهم ونجواهم ، ولا تأمن الأنبياء والصوفية مكر اللّه وإن نودوا بالغفران وهذا ما ورد في الحديث والقصص ، فاللّه حقيقة العالم وبطنانه ، ولهذا قالت الصوفية ما خفي إلا لشدة ظهوره ، ولو ظهر نور اللّه مجردا صرفا لاحترق العالم بما فيه ، ولهذا قال عليه السّلام : إن للّه سبعين ألف حجاب من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه البصر من خلقه ، والملحدون الذين يلحدون في آيات اللّه أي يكذبون هم المكذبون بفتح الباء ، ولا يعلمون ، فحقيقة الأمر استدراج ومكر مكروه هم في المدينة ، ومكره اللّه في مدينة البدن ، فاللّه هو وحده المستوي على عرش الوجود ظاهرا وباطنا ، ولهذا قالوا هو الواجب الوجود ، وله الممكن الوجود ، فلا يخرج عليه شيء . والاطلاع كشفا على مدى الوجود الإلهي وسلطانه هو الذي جعل سلاطين الصوفية يزهدون في متاع الحياة الدنيا وزينتها ، ولا يمدون أعينهم إلا إلى اللّه ، فترى ابن الفارض معتكفا في جبال مكة ، وترى ابن أدهم يفر من الناس لينفرد بربه ، وترى رابعة تجالس الناس بجسدها ولا تهب قلبها إلا للّه ، وترى الغزالي يسعى بين دمشق والقدس سنين جادا وقد جذبته لوامع الأنوار . [ سورة فصلت ( 41 ) : آية 43 ] ما يُقالُ لَكَ إِلاَّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ ( 43 ) [ فصلت : 43 ] حقيقة الأديان واحدة ، إنما جعل اللّه الكشف عنها درجات ، فخص موسى عليه السّلام بكشف