محمد غازي عرابي
940
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
الفعل ، وخص عيسى عليه السّلام بكشف الصفة وخص محمدا عليه السّلام بكشف الذات هو ومن معه من أكابر أمته من العارفين المحققين . والحقيقة واحدة لأن الأخلاق واحدة ، ومتى كانت لدين أخلاق تغاير أخلاق دين آخر ؟ فما دامت الأخلاق كليات ، وما دامت الكليات قانونا واحدا هو الذي سماه كانط القانون الأخلاقي كانت النتيجة أن ما تقوله الأنبياء لا يتغير ، سنة اللّه في خلقه ولن تجد لسنة اللّه تبديلا . [ سورة فصلت ( 41 ) : آية 44 ] وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ( 44 ) [ فصلت : 44 ] ما دامت الأسماء نوعين ، آلاء وبلاء ، كان القرآن لتشخيصات أسماء الآلاء شفاء ، وكان لتشخيصات أسماء البلاء بلاء ، فما كره المشركون والمنافقون شيئا مثل كرههم الآيات التي كانت تتنزل على النبي تكشف حقيقتهم وتفضح سرائرهم وخفاياهم ، فللمؤمن طريق وللكافر والمنافق طريق ، وطريق الإيمان نور مفضية إلى اللّه ، وطريق الإلحاد والنفاق ظلمانية مفضية إلى الظلمات ، ولا يستوي الظلمات والنور ، ولا الأشقياء والسعداء . وقوله سبحانه في الذين لا يؤمنون أنهم ينادون من مكان بعيد له نكتة ، إذ يفيد المعنى أن هؤلاء ينادون من قبل الحق ، ولكن من قبل الاسم البعيد ، أو من جهة الاسم البعيد ، والمعنى أن اللّه ينادي السعداء والأشقياء ، أي المقربين والمبعدين ، فهو ربهم وملهمهم ، وهو اللّه لا شريك له ، لكن الكافرين لا يعلمون . [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 45 إلى 46 ] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ( 45 ) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 46 ) [ فصلت : 45 ، 46 ] كلما نزل كتاب من عند اللّه اختلف فيه ، بل إن كل كلام يقال يختلف فيه ، فقلوب تقبله وقلوب تنفر منه ، فالخلاف قائم إلى يوم القيامة وهذا هو قضاء اللّه الذي أشير إليه في الآية بقوله ولولا كلمة سبقت من ربك ، ولولا أن اللّه قضى هذا لكان قضى شيئا آخر ، وما يقضيه هو رفع الحجب المرخاة بينه وبين خلقه فإذا الناس أمام النور سواء ، مكشوفون مقهورون خانعون ساجدون طوعا أو كرها ، ولكن اللّه حر يفعل ما يشاء .