محمد غازي عرابي

936

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

وجوهرها للّه وباللّه ، فالتحق الجسمي بالروحي ، والجزئي بالكلي ، وشهد على الإنسان سمعه بصره وجلده ، والحقيقة أن الشهادة قائمة ومستمرة ، إذ الأمر صادر من الروح إلى القلب البشري ، ثم هو عائد إلى الروح ، والحواس الأسلاك العصبية والأوتار العضلية والإشارات الكهربائية الصادرة عن الدماغ إلى الأعضاء والمراكز العصبية الموجودة في الدماغ ، فالدورة روحية تتم بواسطة الجسد فأنى تؤفكون ؟ [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 22 إلى 24 ] وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 22 ) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 23 ) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ ( 24 ) [ فصلت : 22 ، 24 ] كيف يستتر الإنسان من شيء هو جوهره وحقيقته ؟ والإنسان يستخدم حواسه جاهلا جوهرها وسرها ، ولكنه لو علم حقيقتها لتاب وخر ساجدا وأناب ، يكفي الإنسان أن يسأل الأعمى والكسيح والعنين عن حالهم ليسمع منهم أنهم يريدون ولكنهم عاجزون ، فالحواس عطية إلهية ، ولكن الإنسان ظلوم جهول لا يعلم دور هذه الأدوات الإلهية المسخرة له بإذن ربه . [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 25 إلى 28 ] وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ ( 25 ) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ( 26 ) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ( 27 ) ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ( 28 ) [ فصلت : 25 ، 28 ] قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لكل إنسان قرينه من الجن » ، والحقيقة أن الازدواجية الموجودة في النفس هي نتيجة وجود الإنسان وقرينه ، ولولا القرين ما نشأ الحوار النفسي الذي يعرفه كل إنسان ويعيشه ، ففي سورة الجن جاء على لسان جني وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً وجاء أيضا : وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ ، فالقرين ، قد يكون صالحا مسلما وقد يكون قاسطا هو من أصحاب النار ، والآية تقول إن اللّه قيض لأهل النار قرناء سوء زينوا لهم ما بين أيديهم ، فلأصحاب النار إذا قرناء سوء يزينون ، والنتيجة أن للكافر قرينه النفسي الذي يزين له الكفر ، فالحصار محكم ، فلأصحاب الجنة قرناء صالحون ، ولأصحاب النار قرناء طالحون ، والقصد قوله تعالى : حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ بالعذاب لأهل النار وبالسعادة لأهل الجنة .